من يوميات رحلة قصيرة

الاحد 10 ذي الحجة

البحث عن الطريق:

حملنا سيارتنا بالامتعة  الضرورية وخرجنا من البلد وقد ارتفع اذان المغرب، واصلنا المسير حتى الكيلو 135 إلى الشرق من المدينة ، نزلنا من الطريق السريع وقد خيم الظلام بالكلية فصلينا المغرب والعشاء جمعا وقصرا، كان المكان يلفه الهدوء وفي الظلام أبصرنا ذودا من الابل تؤم مبيتا لها عند صاحبها غير القريب، ساد الهدوء المكان ، ومما زاد هذه الصحراء روعة تلك الليلة المقمرة والتي تمكننا من رؤية هذه الجبال المحيطة ، فرغنا من الصلاة ثم واصلنا السير في الصحراء ، لكننا اكتشفنا اننا عندما نزلنا من الطريق السريع لم نقع على ذلك الطريق الترابي الممهد والذي يتجه للموقع الاثري المزمع زيارته صبيحة الغد، يعني أننا أضعنا الطريق المرسوم وها نحن نجول في الصحراء وبين الجبال عبر خطوط رسمها سكان البادية ورعاة الابل، كان وقع التضاريس الارضية على الطريق سيئا واخذ يرج السيارة رجا فنزلنا وخفضنا ضغط الهواء في الاطارات، واصلنا المسير ،،،،، كان المكان يزداد رهبة خاصة في هذه الليل وفي هذه البيداء المقفرة وبين تلك الجبال الموحشة....... اهذه البيداء التي عناها الشاعر بقوله (وخرقِ يخاف الركب ان يدلجوا به...) ؟ ها نحن الان ندلج به ونتلمس طريقنا في ظلمائه كما نتلمس خيطا في غرفة مظلمة.... هل نحن ضائعون؟ لا أدري... ظننا اننا لسنا كذلك ،،،، هاهي البوصلة تقول اننا في الاتجاه الصحيح نحو الموقع المذكور ولكن،،،،، اين هو ذلك الطريق الممهد الذي يؤدي اليه؟ هل نحن قصرنا عنه عندما نزلنا؟ ربما،، المهم ،،،، سرنا نحوا من ثلاثين كيلو في هذه الطرق المتفرقه والكثيرة ... إلى ان وقعنا اخيرا على الطريق الترابي الممهد المطلوب،،، احد مرافقينا في الخلف كان يقول لي وانا اقود السيارة انه يرى نورا في الخلف وانه يقترب منا،،،،، قلت لا علينا فلتكن احدى السيارات ولتذهب في طريقها ،،، لكنا علمنا لاحقا ان ذلك النور في تلك المنطقة المقفرة يظهر دائما لمن يضيع طريقه في الليل ويسيميه البدو هناك (ابو سراج) أي صاحب السراج، ويظل التائه في الليل في هذه الصحراء يتبع هذا السراج  لكنه لا يصل إليه ولن يصل إليه على ايه حال ..... المهم اننا اخيرا وصلنا إلى الطريق الصحيح فأخذنا ننهب الارض نهبا في جوف الليل إلى ان صلنا مفرق الموقع الاثري المذكور فجاوزناه بنيه المبيت في احدى القرى المجاورة ..... هناك كانت القرية عامرة بالبيوت واضواءها قليلة عند بعض البيوت ، فنزلنا على احد السكان هناك ممن تربطني به صلة القرابة،،،،،،  تناولنا عشاءنا ونحن جلوس حول النار ،،،،، وكانت الجلسة حول النار ومع البرد تعطينا احساسا فريدا من نوعه. وبتنا عند صاحبنا وقد التففنا في الحفتنا من شدة البرد.

 

الاثنين 11 ذي الحجة:

موعد مع الصبا:

وهذه الصبا هي بفتح الباء : ريح شديدة البرودة مشهورة عند العرب . اتجهنا في مساء ذلك اليوم إلى قرية أخرى تبعد 46 كيلومترا ونزلنا فيها عند أحد الاقارب وبتنا عنده في البر،  ولم تغب علينا الشمس حتى فاتحتنا ريح الصبا بهبوبها البارد الذي لا يمكنك حتى من فتح باب المكان الذي انت فيه، برودة قوية مع شدة في الهبوب وبالكاد تستطيع الوضوء وربما جاز لك التيمم بسب قوة الريح، المهم اننا قضينا ليلتنا داخل (صندقة) صاحبنا في البر وريح الصبا تهدر في الخارج كما يهدر المارد الجبار ، ويسمع تجاوبها خلال فتحات المكان، ونحن غارقين في لحفـنا المتراكمة كما يتكوم القنفذ على نفسه ،  وعندنا ضوء خافت منبعث من مصباح غاز قد استقرت فيه أشكال والوان من هوام الليل، ولم تهدأ الريح حتى اشرقت الشمس من الغد. بعد تجربتي مع الصبا في  تلك الليلة تبينت تعمل الشاعر وتصنعه في قوله (الا يا صبا نجد متى هجت من نجد ..) بل وتبينت خطأ من قال ان العرب تغزلوا بريح الصبا ،،، فأي غولِ يتغزلون به ؟ بل أي وحش؟  واغلب الظن ان بعض الكتاب يظنون الصبا نسيما عليلا يتغنى به الشاعر الجاهلي.

 

الثلاثاء 12 ذي الحجة

موعد مع البعير:

والبعير يطلق على الذكر والانثى من الابل اذا لم يعرف جنسه، لاني لا ادري في الحقيقة أواجهنا ناقة ام جملا؟ في مسيرنا ذاك الذي مررنا به في الموقف الرهيب،،،،،،

كانت السيارة تنهب الارض نهبا في جوف الليل ونحن نغادر تلك القرية متجهين إلى قريتنا الاولى. راى صاحبي ان الطريق ممهد بصورة جيدة فأشار علي بزيادة السرعة حتى وصلت ثمانين كيلو مترا في الساعة، كنا نتجاذب أطراف الحديث ونواصل سمر الليل في هذا الليل البهيم ولا نسمع الا صوت هذه العجلات وهي تُطير الحصى والغبار كما هي ناقة طرفة بن العبد، ياله من حديث ممتع وسمر جميل على ظهر تلك الرحول التي اخذت بنا تطير كما هو فرس ابي العلاء : كان الصبا القت إلي عنانها .. تخب بسرجي مرة وتناقلُ. ......  انقطع الحديث فجأة فلم ارع الا وصاحبي يقول : البعير ! البعير! ... ياإلهي كيف ظهر هذا البعير فجأة في الظلام على هذه الطريق // ابصرته يقفز في منتصف الطريق على بعد 60 مترا منا ونحن نسير بسرعة بين السبعين والثمانين، ذهلت فعلا لهذه المفاجأة ولا مجال للتفكير في طريقة لتجنب الكارثة ولا حتى لا تخاذ قرار،،، لم اضغط على الفرامل قط ... عطفت السيارة قليلا بدرجة يمكن معها تلافي الانقلاب،،،، واتجهت يمينا وانا اتهيب ضربة من مقدم البعير او رأسه على الاقل، قفزت السيارة من حافة الطريق المرتفعة في خط مستقيم ... تلافينا البعير .... لكن اخذت السيارة ترجف بنا هبوطا وصعودا على التضاريس  الترابية إلى ان استقرت بنا اخيرا بعد ان تقلينا رجفة اخيرة من جرف صغير.... لم تنقلب ولله الحمد،،،،  تبعثرت حاجياتنا وتزلزل كل من كان داخلها من بشر وأشياء،،، لكن الكل سليم والحمد لله .... نزلنا منها وكأنا خارجون من كابوس فجائي وسريع ... امسكنا بالكشاف وأضأنا باتجاه البعير فاذا هو يواصل هروبه من ذلك الموقف الشديد .... لا أدري انجونا نحن منه ام هو الذي نجا منا ، من الذي نجا من الاخر يا ترى؟ لقد نجا كلانا على اية حال من موقف عصيب. اضأنا بالكشاف على مكان انحرافنا عن الطريق فاذا نحن نجد مسافة قرابة العشرة امتار لا نجد فيها لعجلات السيارة أثرا،،،، لقد طرنا في الهواء ،،، قبل ان نتلقى تلك الرجفات. نحمد الله على السلامة على اية حال. لذا فخذ مني نصيحة مجرب : إياك والسرعة خاصة في الليل.

والجمل حيوان عجيب ،،، لانه من بين حيوانات الارض يرعى ليل نهار  وبهمة ونشاط، ولا يستقر حتى في الليل كما تستقر بقية الماشية وبقية الخلق، بل انك لا تكاد تشعر به حتى في الليل، لانه يرعى بصمت ويمشي بصمت ولا تشعر الا بيهئته وهو يمشي في الليل. ،، تنظر في الظلام ولا تميز الا كتلته الضخمة تتحرك وتسير بصمت ،،، لا صوت ولا إزعاج ولا حتى رغاء كما يحدث في النهار، حدثني صاحبي قال بأنه بات ليلة هو ورفاقه في العراء في مكان توجد بالقرب منه اماكن لتربية الابل، فبينما هو نائم في منتصف الليل فاذا به يشعر بوجود شيء يتحرك بالقرب منه ،،،،،  جسمٌ مّا  يجول حول المكان،،، فكشف اللحاف بسرعة فاذا هي ناقة ترعى قبالة قدميه قريبا منه ، فجفلت منه سريعا وهربت تخبط بين النائمين خبط عشواء حتى خشي ان تطأ اثنين من رفاقه أب وابنه نائم معه،، لكن الله سلم فابتعدت عنهم وكفاهم الله شر خبطها على غير هدى ، وتمنى صاحبي لو انه اتنبه من نومه بهدوء وتؤده بدل تلك الحركة الفجائية،،،، اذ لتمكن عندها من صرف الناقة بحكمة بدل تجفيلها بتلك الحركة الفجائية.

 

الاربعاء 13 ذي الحجة

في الموقع إياه:

في ليلة الأربعاء ظللنا نسمر حول النار حتى وقت متأخر من الليل، ولما أصبح الصباح تناولنا فظورنا وبعده حملنا أشياءنا واتجهنا مسافة 35 كيلومترا نحو الموقع الاثري،،،، كان الطريق عبارة عن بيداء مرتفعة ومستوية غنية بالاودية والاشجار البرية الكبيرة ، ويرى من بعيد عددا من الجبال المشهورة في المنطقة، وصلنا للموقع الاثري ووجدناه ذا مساحة كبيرة جدا ومحاطا بسياج او شبك حوله، وجدنا فرجة في ذلك الشبك وامضينا ساعة ونصف ونحن نجول فيه....

 

محاولتان فاشلتان:

غادردنا الموقع الاثري راجعين إلى الطريق السريع، وبعد ان تجاوزنا الموقع اياه توقفنا لعمل غداء، استقر رأينا على عمل قرص جمر،،،،، اخذنا وقتا في اعداد النار وما يلزم من لت وعجن ونفخ وحفر،،،،، واخيرا جاء وقت وضع هذا القرص-قرص الاحلام- على النار،،،، وضعناه ودفناه،،، وترقبناه وكاننا نترقب مولودا سيأتي،،،، المهم يبدو ان الجمر كان قويا فأحرق قرصنا هذا،،،، حاولنا مرة ثانية واعددنا قرصا آخر ووضعناه مرة ثانية على الجمر،،،، فكانت النتيجة هي هي،،،، احتراق الخارج وعدم نضوج الداخل،،،، عندها اعلنا فشلنا في هذه المهمة ونكبنا عن أي محاولة أخرى . وأخيرا لا بد من غداء على اية حال، فماذا عملنا؟،،،، رحنا نلملم اطرافه الناضجة لكي تكون غداءنا وتناولناها مع الشاي ، وهكذا كان الغداء.