أدبيات صالح المطيري

في نظرية يحي توفيق الشعرية

 

كتب الشاعر يحي توفيق مقالة مطولة فصل فيها القول في الشعر وماهيته، وقبل ذلك الكلام في التعبير اللغوي الانساني واختلاف العلماء في كيفية صدوره. والحق يقال انني لا استطيع ان اوفي تلك المفالة حقها من الوصف والتحليل ذلك أنه لا يمكن تجلية جوانبها وابعادها الكثيرة في اسطرمحدودة،  لذا فانه لا يسعني هنا الا احالة القاريء اليها والاجتزاء ببعض الانطباعات الخاصة التي ارتسمت في مخيلتي اثناء قرائتها. لكن من حيث الفن الكتابي لدى يحي توفيق فاني اقول ان الرجل بقدر ماهو شاعر مجيد فانه كذلك كاتب مجيد، واخشى ان لا توفيه هذه الصفة حقه ايضا.

ومن الجوانب المهمه التي تناولتها المقالة هو اثباته ان الشعر الجيد المؤثر في النفوس انما هو ذلك الصادر من خبرة انفعالية حقيقية عاشها الشاعر نفسه، كقصيدة المتنبي الميمية (وحر قلباه ممن قلبه شبم) وقصيدته (عيد باية حال عدت يا عيد)  فهما كانا نتيجة حالة انفعالية عاشها المتنبي فكتب على اثرها هاتين القصيدتين. ويضرب امثلة من شعراء آخرين بما فيهم نفسه.

ومن الاشياء التي استفدتها منه في مقالته معنى قولهم شاعر مطبوع، والتي يقصد بها ان شاعر يحرك بقصيده مشاعر المتلقي واحاسيسه وانفعالاته .

ولا شك ان لكل قاري لذلك المقال ملاحظاته،  فمن الملاحظات اليسيرة التي وجدت مايلي:

1-  النقطة الاولى قوله بان تشومسكي اكتشف (خلية اكتساب اللغة)، ووجه الملاحظة ان تشومسكي ليس عالم احياء لكي يكتشف خلايا او اوعية،  وانما هو عالم لغة .  لذا ارى ان يقال (مَلكة اكتساب اللغة) عوضا عن خلية، لان هذا المصطلح ليس فيه خليه في اصله الانجليزي Language Acquisition Device ، كما أن الكتاب العرب اعتادوا على ترجمته بـ (ملكة) وليس بـ (خلية) ، علاوة على ان ملكة هي مفهوم تجريدي ادراكي عقلي بينما الخلية هي شيء مادي حسي يمكن فحصة ووصعه تحت المجهر   لكن لايمكن ذلك بالنسبة للملكة والتي هي تناسب اختصاص تشومسكي في اللغة والعقل والادراك اكثر من (خلية).

2- النقطه الثانية ربطه للشعر والاحساس الشعوري الفني الجميل بالعروض، أي بالكلام المنظوم الخاضع لآوزان العروض، رغم انه أكد في البداية أن الشعر هو شيء منبعث من المشاعر والاحاسيس والعواطف والانفعالات، ووجه الملاحظة أنه حصر المخرجات الفنية للتجربة الشعورية في الكلام المقفى الموزون ، وهذا في نطري تضييق لما هو واسع، فالكاتب الناثر او الخطيب او المتحدث او الرسام او النحات  له تجارب شعورية انفعالية هوالآخر، وفي مقدوره أن يكتب أشياء كثيره او ينتج قطع فنيه تؤثر في القاري اوالمتلقي بصورة عامة وتثير مشاعره واحاسيسه تماما كما يفعل الشاعر وربما أحيانا أقوى، فلماذا سمي اذن فنا؟ اهو االكلام الموزون وحده؟ لا ، إن الفنان ليستطيع أن يعبر عن تجاربه الانفعالية الشعورية في الشيء الذي يجيده، فان كان كاتبا ففي  مقطوعة نثرية، او رساما ففي لوحة جميلة، أو خطيبا ففي كلمة او خطبة مؤثرة، او نحاتا ففي قطعة نفيسة او مجسم جميل، اوكان شاعرا ففي قصيدة مطبوعة أي توثر في القاري وتثير أحاسيسه، المهم انه الفن بالدرجه الاولى مهما كانت تجلياته، حتى يحي توفيق نفسه لا يقل الهاما وفنا في كتابته وأسلوبه النثري عنه في شعره، ولتقرا المقالة أعلاه لتجد مصداق ما أقول، انظر مثلا في مقدمة مقاله:

الشعر ليس لغة ووزنا وقافية ومعنى فحسب بل هو اعمق من ذلك بكثير إنه ملكة وموهبة روحية وأريحية نفسية وفطرة خلقية لها تأثيرها وهيمنتها على ما يصوغه الشاعر من شعر ولها أثرها في تساقط المفردات التلقائي الحميم على وجدان الشاعر وشحن تلك المفردات والمعاني بمسحة من روح الشاعر ونفسه وشفافيته مما يلبسها ثوبا رائعا من الحس والانفعال يتساوى وقوة تلك الملكة وضعفها المتوثبة حينا والمتقوقعة حينا آخر في طبع الشاعر وفطرته.
أو قوله:

واذا لم يستطع الشاعر أي شاعر ان يبلغ بشعره من ذات المتلقى وحسه ما يحرك أريحيته ويستنفر في دواخله كل العواطف الكامنة

الراكدة ويحولها الى انفعال بما يقول من معانٍ وعاطفة في شعره أيا كانت تلك المعاني أو العواطف اذا اخفق في ذلك فانه لاشك ناظم لا علاقة له بالشعر ولم يدخل الى ملكوته المشحون بالأجواء الروحانية والبراكين الانفعالية التي لا يمكن بعثها وتحريكها وتأجيجها إلا بنفس شاعر يملك الشفافية والحس والموهبة التي تلهمه القدرة على التصوير والتعبير بشكل تلقائي هو أقرب الى الالهامي والايحائي منه الى اجهاد الفكر

إلى آخر مقالته تلك.

 

عـلـق على هذا الموضوع

مع ذكر عنوانه