العنف
في شعر أبي الطيب
لقد اصبح مصطلح العنف يدور هذه الايام في وسائل الاعلام والصحافة
بكثرة، لذا فسأعتمر هذه المرة قبعة غربية وامسك بديوان أبي الطيب لاستخرج بعض الأبيات
التي يتجلى فيها العنف، طبعا لا تفترض مني في هذه العجالة أني سأزودك بقائمة كاملة
لكل تجليات العنف هناك، وإنما سأكتفي بامثلة قليلة فقط، فمن ذلك قوله من قصيدة:
ومن عرف الايام معرفتي بها وبالناس روّى رمحه غير راحم
فهذا البيت يقول ابي الطيب فيه إنكم لو عرفتم الناس معرفتي بهم وما
يحتوون عليه من خسة ونذالة وانحطاط لما تمالكتم أنفسكم من قتلهم، اولقمتم إليهم
وقتلتموهم عن بكرة أبيهم (غير راحم). طبعا هذه مقولة شاعر بلغ به الاحباط من
مجتمعه الغاية، ولعلكم تدركون الاحباطات الكبيرة التي تعرض لها أبو الطيب في حياته
المتقلبة، ولعل من اكبرها خيبة أمله في كافور وولايته، وقبلها خلافه ورحيله عن
صديقه الأثير وممدوحه الكريم سيف الدوله.
ومن تلك ألابيات (العنفية) كذلك نجد قوله:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
ومقتضى هذا البيت ينص على أن الظلم هو الوضع الافتراضي في الطبيعة
الانسانية، وأنه ما لم يكن ذلك فهذا يعني أن هناك خطأ في شخصية المرء، طبعا مقوله
شديدة فعلا، تذكرنا بما كان يقوله الوزير ابن الزيات الذي كان يعذب الناس في
التنور فيسترحمونه ويترجونه فيقول لهم: الرحمة؟ إنها خور في الطبيعة، أي ضعف في
الشخصية. يعني مثل قول المتنبي (فلعلة لا يظلم).
وللنتقل الي صورة أخرى، لنجد المتنبي يصف سيف الدولة وهو يقاتل الروم
في قصيدته المشهورة (على قدر أهل العزم)
فيقول عن جوارح الطير في أجواء المعركة:
وما ضرها خلق بغير مخالب وقد خلقت أسيافه والقوائم
هل تدرك الصورة هنا؟ يقول ابو الطيب بأن تلك الطيور والجوارح لا
تحتاج في ذلك المكان إلى مخالب لتقطع بها جثث القتلى ، مادامت سيوف الأمير قد وفرت
عليها تلك المهمة وتركت القتلى خذاريف كما تقول العرب (أي أشلاء وقطع وأوصال)، فأي
صورة عنيفة هذه؟ وهل سيف الدولة قائد عسكري أم جزار وسفاح؟ لكن قد يقول البعض
بأننا في موقع حرب هنا، وأن ابا الطيب أراد الإشادة بقوة ضرب السيوف وإعمالها في
جنود العدو. وهو مقصد وجيه لدى البعض، ثم من وجه نظر شعرية فنية قد يرى البعض أن
البيت غاية في الجودة والتصوير، وأن المتنبي ابتدع هذه المتلازمة من خياله الخصب،
أعني تعويل تلك الجوارح على سيوف الامير.