سر
أبي عثمان
ذكرت
في مقال سابق بأن أبا عثمان الجاحظ لم
يتزوج قط، وأنه لم يكون أسرة ولا ارتبط بأصهار وأقارب وما يتبع ذلك من مشاكل
ومشاغل كثيرة، , وانه صرف جل وقته في مطالعة الكتب وتحرير مؤلفاته. لكن هذا لا
يعني أنه كان منصرفا عن المرأة، أو راغبا عنها، لا، بل يذكر مترجموه انه ربما كان
يتخذ الجواري، لكن التسري أو اتخاذ
الجارية ليس كالزواج من ناحية المشاغل الكثيرة، والجارية ليست كالزوجة في طلباتها
ورغباتها وحقوقها، وكذلك من ناحية ولادة أطفال وما يترتب على ذلك من أشياء كثيرة.
والذي يبدو لي من كتابات أبي عثمان أن هناك شيئا آخر صرفه عن الزواج، فما هو يا
ترى؟
أكاد
أجزم بأنه ليس رغبته في التفرغ لتحرير مؤلفاته وترتيب أوراقه، وإنما شيء آخر غير
هذا، ألا وهو ضعف ثقته في المرأة --- نعم كان الجاحظ لا يثق في المرأة ، أعني من
ناحية الحفاظ على عهد الزوجية وعدم الخيانة، ولك عزيزي القاريء ان تستعرض بعض
القصص التي يوردها الجاحظ عن النساء والتي
تظهر سرعة تفريط المرأه في عهد الزوجية ،
واستجابتها لكثير من المغريات المحيطة المتمثلة في الرجال الآخرين، لتجد مصداق ما
أزعم هنا.
لكن
والحق يقال ليس أبا عثمان وحده في ذلك، أقصد أن رؤيته تلك لم تأت من فراغ، ولم تكن
غير مبررة بالمرة من وجهة نظره، لأن هناك أشياء وأقوال مأثورة لدى أهل الأدب ، وهو
من ضمنهم، تصب في اتجاه ما كان يراه وغذت بدورها رؤيته تلك ، طبعا لست هنا بصدد
بحث مصداقية أوعلمية هذه الأقوال، وإنما يكفي القول بأنها قد وقرت في أذهان بعض
الكتاب ، وشكلت صورة نمطية عن المرأة في
مخيلتهم، وربما تأثر أبو عثمان بها ، علاوة على القصص التي كانت ترده ، سواء من عصره ومحيطه الذي عاش فيه، أم من العصور
السابقة له، ومن تلك المأثورات - وأكرر بأني لست مسؤولا هنا عن علميتها وصدقيتها
- القول بأن تسعة أعشار الشهوة هي في المرأة، والعشر الباقي في الرجل. وكذل قولهم بانه أربع لا يشبعن من أربع: عين من نظر، وأذن
من خبر، وأرض من مطر، وأنثى من ذكر. ولو تأملنا القول الأخير لوجدنا أنه بالإضافة
إلى ما تشير إليه العبارة الأخيرة وما تصف به المرأة من شراهة جسدية، فإنه يلاحظ
على بقية عبارات هذه القائمة أنها تتكون من مؤنث ومذكر، فجاءت العبارة الأخير
لتلخص الكل. وقد وردت في كتب أبي عثمان، كالحيوان مثلا، قصص يرويها هو وآراء
يطرحها تتوافق مع هذه النظرة. وعلى كل حال، ليس أبو عثمان وحده في هذه النظرة ،
والتي أعتبرها أنا مغلوطة وخاطئة، وأظن بأن آخرين، وبعضهم من العصور المتأخرة، كالعقاد والحكيم وربما أنيس منصور، كانوا يحملون نفس النظرة
للمرأة، وربما كان أبو العلاء من هذا الفريق أيضا.
إذن
فلكل ما سبق انصرف ابو عثمان الجاحظ عن الزواج وبقي وحيدا إلى آخر حياته. لكن لحسن
الحظ هذه الوحدة عادت عليه بالنفع والفائدة، لأنها أعطته وقتا ثمينا للكتابة
وتحرير الكثير من مؤلفاته، ولولاها لما حصلنا على الحيوان مثلا ، أو البيان
والتبيين، أو الرسائل التي كتبها في مواضيع شتى كثيرة، وقد ذكر هو قائمة طويلة
لكتبه في أول الحيوان، ومنها يتضح أن بعضها فقد ولم يصل إلينا في العصر الحديث. ,
والخلاصة أني متأكد بأنه لولا وحدته تلك يضاف إليها تفرغه الأدبي وبعده عن شغل
المناصب الإدارية في الخلافة لم يكن ليكتب كل تلك الأعمال التي ذكرها في قائمته
المذكورة.