|
|
|
حس الأديب الفنان
كثيرة هي الاشياء العادية التي نشاهدها يوميا والتي
لا تجذب أي انتباه ولا يمكن تعليق أي
أهمية عليها، لكن في نظري لو تحولت هذه الأشياء
العادية إلى شي وصفي مكتوب لاختلف
الآمر ، وصارت لها قيمة أدبية وفنية كذلك. تقول
لي كيف؟ اقول لك تأمل هذا: كثير منا
مثلا شاهد الخباز وهو يقلب عجينته على شكل قرص
ثم يدخلها التنور، منظر عادي
ومألوف ولا يأبه له ، كسائر الاشياء
الحياتية الاخرى، منذ الخليقة وهذا ديدن الخباز، ولم
يحدث في التاريخ أن جاء شخص وقال لنا انظروا ما يصنع الخباز
، إلى أن جاء ابن
الرومي ، الأديب المبدع الفنان، فاستطاع أن يصور لنا
جوانب الفن والإبداع في هذه المهنة
المألوفة العادية التي لا تجذب أي اهتمام. إن هذا الفنان، ابن الرومي، بعينه التي ترى ما
لا يراه الآخرون، قد أبصر جوانب الفن والتميز في مهنة ذلك الخباز الذي
عرفته الإنسانية
من لآلاف السنين، لنقرأ له هذه الأبيات: إن أنسَ لا أنسى
خبازا مررت به يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر ما بين رؤيتها في كفه
كرة وبين رؤيتها قوراء كالقمر الا بمقدار ما تنداح
دائرة في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر
فتأمل يا رعاك الله كيف استطاع هذا الفنان أن يحول هذا
المنظر العادي المألوف إلى
منظر فني جميل حيوي فيه حركة ونشاط وصور وكرة وقمر وانيداح
الدوائر في صفحة
الماء ، أي تلاشيها، ثم بعد ذلك إشادته بهذا المهني
الذي تعتاش عليه شعوب الأرض، وما
يتميز به من أداء فني جميل يتمثل في سرعته وحنكته في مهنته كخباز. لذا
فإنه لولا ان
ابن الرومي تبرع وسجل لنا، ولنقل وكتب لنا أو وصف لنا
هذا المشهد المألوف وأضاف
عليه مرئياته الخاصة التي لا يراها الاخرون لفات علينا إدراك ما يتحلى به ذلك المهني
من فن وإبداع (اقصد الخباز).
هل تريد مثالا آخر؟ إذن إليك هذا. منذ
خلق الله الخليقة والحيوانات المستأنسة كالماشية
والغنم والماعز ونحوها تهب وتنشط في
الصباح ويصير لها أصوات وضوضاء ربما
استعدادا للذهاب للمرعى او لاكل
ما يقدمه لها صاحبها من علف أو طعام . هذا المنظر،
اقصد الحيوان المستأنس كالغنم ونحوه، شيء عادي ولا يلفت أي اهتمام. لكن أي
اهتمام
تقصد؟ طبعا اهتمام الناس العاديين، لكن الامر
مختلف بالنسبة للشاعر الفنان امريء
القيس، حيث يقول:
ألآ إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون
جلتها العصيّ ُ
(أي كبار السن منها) وجاد لها الربيع بواقصات فآرام وجاد لها الوليّ ُ تروح كانها مما أصابت معلقة بأحقيها الدُليّ ُ (جمع دلو، يصف عودتها من المرعى شبعى)
إذا مشّت حوالبها أرنّـت كأن القوم صبّحهم
نعيُّ (مشت
حوالبها: لمست لكي تدر، أرنت : صوتت)
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا وحسبك من غنى
شبع وريّ ُ
فتأمل كيف حول امريء القيس هذا الشيء العادي المألوف
إلى منظر فني مفعم بالحياه
والنشاط و كيف استخرج منه صور حية جميلة فيها شبع
وامتلاء وري وحركة من ذهاب
ومجيء وقوم وصياح ونعيّ،،،، . طبعا هذا مثال
وجيز من تراث امري القيس الحافل
بنواح شعرية فنية كثيرة.
صدقني إن الكاتب الاديب يرى بحسه المرهف الفنان
ما لا يراه الآخرون بعيونهم
وعقولهم ومناظيرهم وعدساتهم المكبرة كذلك...
ومن ذلك، مقطوعة الكاتبة حمدونة بنت المؤدب
عندما مر الركب بواد فسيح فاستظلوا
بشجرة فيه، استراحوا تحتها من وهج الشمس وحر الرمضاء،
وفيها نحس مقدار نعمة
الشجرة والظل، ونتذكر قوله تعالى (وهو الذي مد الظل)
وقوله (ثم آوى إلى الظل) وقوله
(وظلا ظليلا) ، تقول: وقانا لفحة
الرمضاء واد سقاه مضاعف الغيم العميم! نزلنا دوحه فحنا
علينا حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ
زلالا ألذ من المدامة
للنديم يصد الشمس أنى
واجهتنا فيحجبها ويأذن للنسيم يروع حصاه حالية العذارى فتلمس
جانب العقد النظيم.
إن تلك الشجرة في ذلك الوادي قد استظل بها آلاف البشر منذ خلقت
، ومر بها الوف
مؤلفة من العابرين ، لكن حمدونة
كانت الوحيدة من بينهم التي (أخرجت مفكرتها)
وسجلت لنا بلغة معبرة ومصورة ما في ذلك الظل في
ذلك الوادي من نعمة وجمال.
ومن هذا الباب أيضا مرور المتنبي ببحيرة طبريا و وصفه
لها، ومروره كذلك بشعب بوان
وإشادته بجمال الطبيعة هناك، ووقوف شوقي مخاطبا أبا الهول
، ونهر النيل، ومناجاة
السياب لربه في ليلة من ليالي المرض ، في قرية من قرى العراق، وكيف كان يرى الليل
من نجوم وأفلاك، وما يسمع فيه من اصداء
بوم وأبواق سيارة من بعيد، وآهات مرضى
وام تعيد.. أساطير آبائها للوليد، إلى آخر قصيدته
تلك الموجودة في هذا الموقع.
والأمثلة الأخرى كثيرة على رؤية الاديب للاشياء من حوله. ويمكن القول بصورة عامة
أن الأديب او الكاتب إنما يقدم لنا رؤيته الخاصة للاشياء من حوله، لكن لاحظ أن كلمة
أشياء ليست بالضرورة من المحسوسات
الماديات، بل ربما تكون من غير الماديات،
كالمشاعر والأحاسيس والخلجات، والعواطف
والأفكار والاتجاهات . |
|
|