|
ليلة دمشق |
مسرحية من تأليف: صالح بن محمد المطيري |
|
أشخاص
المسرحية مسعود
الدمشقي سمية : زوجته
القاسم
: ابنه العباس: صاحب شرطة المأمون الخليفة
المأمون قيس:
سجين إضافة
إلى: جنود، غوغاء، وآخرون. |
زمن المسرحية العقد
الثاني من القرن الثالث الهجري
|
مكان المسرحية دمشق وبغداد |
المنظر الأول
(بيت مسعود الدمشقي، باحة صغيرة نرى من
خلالها باب البيت، في حين أحدقت بها بعض قطع الأثاث البسيطة، يدخل مسعود صاحب
البيت، وهو رجل قد تخطى الستين من العمر، وبدت عليه بعض آثار الشيخوخة)
مسعود: (يجلس) لا
حول ولا قوة إلا بالله.
(يشعر به بعض أفراد عائلته فيأتون إليه،
وفيهم سمية زوجه، وهي أصغر منه في العمر بقليل)
سمية: حمداً لله
على سلامتك يا أبا القاسم!
مسعود: سلمك الله
يا أم القاسم. إني لم أبعد في المسافة، فلم أتعد أبناء عمومتي في منبج.
سمية: لقد قلقنا
عليك منذ غادرتنا مسافراً.
مسعود: ولما
القلق، ما أكثر ما ذهبت إلى هناك، هل سمعتم شيئاً؟
القاسم: حمداً لله
على عودتك يا أبي (يقبل رأسه).
مسعود: مرحباً يا
بني، مرحباً، كيف أصبحت الآن.
القاسم: بخير
والحمد لله، … لكن ألم تسمع أنت يا أبي بما حدث (يأتي فيجلس إلى جنبه) ظننا أنك
سمعت، ولربما عاينت.
مسعود: سمعت؟
عاينت، ماذا هنالك؟ خيراً إن شاء الله.
سمية: إن دمشق
منذ سبع ليال وهي تضطرم في فتنة تموج مثل موج البحر!
مسعود: ماذا؟ أي
فتنة؟ أعوذ بالله من الفتن، هل حدث شيء بعدي؟
القاسم: لقد لزمنا
بيتنا منذ اشتعلت فلم نبرحه ألبته، وكدت أرسل إليك لتبق هناك ولا تأتي، أو نلحق
نحن بك.
مسعود: لأبقى هناك
أو تلحقوا بي، عجيب ماذا جرى بعدي يا سمية؟
سمية: لقد ثار
العامة وشغبوا هم ومن تبعهم من الصناع وأهل الأسواق على متولي دمشق وشرطه وحصروه
في قلعته. ولم ينج إلا بعد ما جاءه مدد من عسكره المرابط في الساحل فهدأت الأمور بعد
ذلك قليلاً.
مسعود: آه، فهمت
الآن، لربما رأيت عسكراً يجوس خلال المدينة. لكنهم لم يتعرضوا لي بأذى، ولا أنا
بالذي اقتربت منهم لأرى ما هم عليه.
القاسم: إنك لم
تشهد الملحمة التي حدثت عندما قام السوقة بمطاردة رجال الشرط في الشوارع حتى
ألجؤوهم إلى أن رمى بعضهم بنفسه في النهر، ومنهم من نجا واستطاع الاعتصام بالقلعة
مع المتولي نفسه. والذي كان قد فر إليها آنفاً.
سمية: لا بل إنهم
حاولوا معالجة باب القلعة الموصد لفتحه أو كسره ولولا وصول المدد لتم لهم ما
أرادوا ولأخذوا الوالي بتلابيبه واستأصلوا جنوده.
مسعود: يا للعجب!
إن لهم لشأناً، ما الذي أدى بهم إلى أن يشغبوا ويحدثوا ما أحدثوا؟
القاسم: سألت أحد
أهل السوق فقال إنهم شغبوا لما أوفد الوالي جباة له شداداً غلاظاً ليؤدوا له
مكوساً وعشوراً فرضها عليهم، وكانت عالية جداً، في حين أن سوقهم واقعة في كساد
عظيم لم تزل في إساره حتى طلع عليهم الجباة بهذه المكوس العالية..
مسعود: وهل
استطاعوا دفعها؟ أعني تلك المكوس العالية؟
القاسم: كلا لم
يستطع جلهم دفعها، واستشكلوا سؤالهم هذه المبالغ مع كساد بضاعتهم.
مسعود: ثم ماذا
حدث؟
القاسم: حاول
الجباة حملهم على الدفع بالقوة بالاستعانة بشرط الوالي، فحدث أن اشتبك الشرط ومعهم
الجباة مع بعض الصناع، ثم تبعهم أهل السوق أجمعون فاشتعلت الفتنة وتقاتل الفريقان
وتطاردوا في الشوارع كالغوغاء ولزم الناس الآخرين بيوتهم خشية أن تطالهم الفتنة أو
يصيبهم شررها.
مسعود: إنا لله
وإنا إليه راجعون أعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
سمية: هدأت
الأمور بعض الشيء بعد وصول المدد من الجيش المرابط في الثغر الذي على الساحل.
القاسم: وقام المدد
القادم بإخماد الشغب وأخذوا الناس أخذاً شديداً بالتهمة وبالظنة.
(يسمع قرع على الباب، يسكت الجميع وتصوب
أنظارهم نحو الباب على نحو متوجس، ينظرون إلى بعضهم بعضاً وكأنهم يتساءلون من يا
تُرى يكون الطارق في هذا الجو المشحون بالتوتر، يشير الأب إلى أبنه الأكبر لفتح
الباب،ينهض الابن لفتح الباب، يفتح، فإذا عدد من العسكر، يتقدمهم رئيسهم)
رئيس العسكر: شاهدنا
رجلاً يدخل إلى هذا البيت قبل وقت ليس بالطويل.
القاسم: لا يوجد
غريب بيننا هنا، كلنا أهل هذا البيت.
رئيس العسكر: أليس هذا
بدار مسعود بن الحسن الدمشقي؟
مسعود: نعم هذا هو
منزله، وأنا هو.
رئيس العسكر: إذن هل
تأذن في مرافقتنا إلى القلعة؟
مسعود: إني لم آتِ
بيتي إلا هذه الآونة.
رئيس العسكر: إن الأمير
يريدك الليلة، وطلب منا استدعاءك إلى حضرته.
مسعود: وماذا يريد
مني الأمير في هذه الساعة لا عدمته؟
رئيس العسكر: إنه فقط
يحتاجك ليسألك بعض الأسئلة وستعودك إلى بيتك راشداً.
مسعود: لكن هل
يأذن لي الأمير بأن أغدو إليه صباحاً بدل هذه الساعة المتأخرة؟
رئيس العسكر: لا أظن
ذلك، لأنه أوصانا بأنه يريدك الساعة. وقال لا تأتيني إلا وهو معك.
(تثير العبارة الأخيرة ارتياب أهل البيت
فيتوجسون خيفة، يلاحظ رئيس العسكر ذلك، فيعقب مُطَمْئِناً) أقصد بأنه لا داعي
للقلق، إنه سيستشيرك في بعض الأمور المتعلقة بصناعتك، بصفتك من قدماء أهل الزراعة
والفلاحة في دمشق.
مسعود: (ينظر إلى
أفراد أسرته، ثم يلتفت إلى رئيس العسكر ولا زالت الريبة تغلف حديثه) إذن لا مناص
من مجيئي معك الآن.
رئيس العسكر: هو ذاك،
رحمك الله.
مسعود: (إلى
عائلته) سأرافقه وسأعود إليكم إن شاء الله.
رئيس العسكر: هيا بنا
إذن. (يخرجون )
ستار
المنظر الثاني
(في سجن الخلافة ببغداد،
زنزانة صغيرة صخرية الجدران، لا يوجد بها بصيص نور إلا من قنديل صغير أضيء الآن من
كوة الباب لغرض معين. وقد اضطجع السجين الموجود فيها الآن على حشية حقيرة من ليف،
وهو رجل فوق الثلاثين من عمره، يبدو من زيه ومن تقاطيع وجهه أنه من ابناء القبائل
العربية القاطنة في السواد. يسمع صلصلة المفتاح فيرى بصيص النور القادم من كوة
الباب، يُفتح الباب فإذا السجان مرتفقاً مسعود الدمشقي الذي تغير عنه في المنظر
السابق وبدا عليه الجهد الشديد، يُدخل السجان مسعوداً ويقفل الباب وراءه، يجول
مسعود ببصره في داخل الزنزانة رغم ضآلة النور، ينهض السجين من مكانه ويقابل مسعودا
)
مسعود: السلام
عليكم ورحمة الله.
السجين: وعليكم
السلام ورحمة الله. (يشير إلى الحشية)استرح هنا رحمك الله.
مسعود: عد إلى
مكانك، شكر الله لك، سأقعد هنا.
السجين: آليت عليك
إلا قعدت هنا يا شيخ.
مسعود: (يقعد
عليها) جوزيت خيراً يا فتى.
(يمر وقت قصير، والسجين يتأمله)
السجين: (يقعد
أمامه) قل لي يا عم، أأنت سجين مثلي أم لا؟
مسعود: لا أدري
لما أنا هنا يا فتى، جيء بي من دمشق ووضعت هنا. واسمي مسعود بن ثابت. هلا علمت من
أنت.
السجين: أما أنا
فقيس بن المحصب العجلي من أهل الأنبار.
مسعود: ولماذا أنت
هنا؟
السجين:تشاجرت مع
أحد العسكر في بلدتنا فأخذوني ووضعوني هنا. لكن كيف أُحضرت أنت إلى هنا؟ هل وقع لك
ما وقع لي؟
مسعود: هاجت فتنة
في دمشق فقدمت إلى بيتي من سفر، فاُخبرت بخبر الفتنة، فلم ألبث إلا قليلاً حتى
جاءنا عدد من العسكر وأخذوني إلى الأمير.
السجين: وماذا يريد
الأمير منك، هل فعلت شيئاً أثار حفيظته؟
مسعود: لم أفعل
شيئاً، قال لي العسكر بأنه يريدني ليستشيرني في بعض الأمور، فرافقتهم رغم أن الشك
ساورني من مجيئهم ذاك، خاصة بعد حدوث الفتنة. فلما أخذوني معهم عدلوا بي إلى سجن
القلعة فأدخلوني فيه فوجدته غاصاً بالناس ممن جمعهم العسكر بنفس الطريقة. فمكثت
يوماً هناك ثم أرسلوني بالبريد عبر تلك المفاوز والقفار حتى جيء بي إلى هنا حيث
سجن الخلافة كما سمعتهم يسمونه. وكلما سألتهم عن علة أخذهم لي، أجابوا بأنهم لا
يعلمون هم أنفسهم وإنما الخبر عند الأمير، فقلت لهم أرسلوني إلى الأمير فقالوا لقد
منع الناس من مقابلته وسيرسلني إلى عاصمة الخلافة لتتدبر أمري!
السجين: أعانك الله
يا عم، وفرج كربتك.
مسعود: ولكن هل
هذا هو سجن الخلافة حقاً.
السجين: يقال أن هذا
هو السجن الذي بناه المنصور لما أسس بغداد، وكان المنصور يحتفظ فيه بأعداء الخلافة
ومن يخرج عليه إلى أن يتخلص منهم، أو تحين آجالهم وهم فيه.
مسعود: لا حول ولا
قوة إلى بالله.
السجين: (مستدركاً)
استميحك عذراً يا عماه، أظن أني أقلقتك بهذا الكلام، ليس ذلك في كل الأحوال فلربما
يجعل الله بعد الشدة فرجاً ومن هذه المحنة مخرجاً.
مسعود: إنا لله
وإنا إليه لراجعون، أما إن الله ليعلم إني ما زج بي إلى هنا إلا ظلماً وعدواناً.
اللهم أخرجنا منها على خير، وانتقم ممن يؤذي عبادك المؤمنين بغير ما اكتسبوا.
السجين: إن الله في
عون المظلوم، وهو سينتقم من الظالم. ستار
ساحة الإعدام الملحقة بالقصر الخلافي في
بغداد، وهي ساحة كبيرة رملية الأرض، فرشت وسطها أنطاعاً من الأدم، و قد أحاط بها الجنود على شكل دائرة، وقد
توسطهم العباس بن مجالد صاحب شرطة الخليفة المأمون والمكلف بتنفيذ الإعدام فيمن
يأمر القصر بإعدامهم، وهو رجل قد تخطى الخمسين من عمره، وقد ارتدى كامل زيه الذي
ينم عن منصبه، ومعه رقعة فيها أسماء الذين سيؤتى بهم الآن من السجناء لضرب أعناقهم
في هذه الساحة، وقد وقف إلى جواره كبير مساعديه مؤنس، يمر العباس على الأسماء بسرعة،
فيما يؤتى بأول السجناء معصوب العين، وهو مسعود الدمشقي، لإعدامه، يشير كبير
مساعديه إلى اسمه الأول في الرقعة..... )
مؤنس: هذا يا
سيدي هو أول الذين أرسلهم صاحب دمشق عنبسة بن خديج على أنهم ممن شغبوا على جند
الخلافة، واسمه مسعود بن ثابت.
العباس: وهل تحققتم
مما نسب إليهم.
مؤنس: لقد جاءتنا
اعترافاتهم جاهزة مكتوبة من قبل صاحب دمشق.
العباس: وأين
بقيتهم؟
مؤنس: إنهم الآن
في السجن، وسيؤتى بهم واحداً واحداً.
(يأخذ الجنود مسعوداً ويربطوا يديه
ورجليه، وهو يردد لا حول ولا قوة الله إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم
يقعدوه في وسط الساحة في حين بدا الجلاد مخترطاً سيفه، يقترب قليلاً بانتظار إشارة
صاحب الشرطة لضرب عنق أول هذه القائمة مسعود الدمشقي، ينظر العباس نظرات متأملة
عميقة إلى هذا الشيخ المعصوب العينين ذي اللحية البيضاء والشامة الكبيرة على صفحة
وجهه. وقد أجلسوه قبالته، ما الذي يدور في خلده يا تُرى وهو ينظر إلى هذا الشيخ
الذي جيء به هنا لتدق عنقه؟ يقطع العباس تأملاته وكأنه يطرد هاجساً مر على خاطره
ويشير إلى الجلاد ليتقدم فينفذ الإعدام ، يسير الجلاد بخطى ثابتة حتى يصل إلى
مسعود منتضياً سيفه، يرفع الجلاد سيفه فيلمع السيف الصقيل في شمس الظهيرة، يهوي
الجلاد بسيفه على عنق مسعود، يصيح العباس من مكانه فجأة: توقف! يدهش الجميع لهذه الفجاءة، يتوقف الجلاد بسرعة
وكأنه تلقى صدمة كهربائية، وينظر إلى العباس امتثالاً لأمره، يقوم العباس إلى مسعود
فيفك عصابته)
العباس: (يتأمل
وجهه) أيمكن أن تكون هو يا رجل؟!
مسعود: (مجهداً)
عجباً، ومن هو؟.. .. .. ماذا تعني بسؤالك هذا، ثم ماذا تنقمون مني لتخرجوني
فتقتلوني في هذه الظهيرة؟
العباس: هل أنت من
أهل دمشق القدماء؟
مسعود: نعم إني
كذلك؟
العباس: هل تعرف من
أنا؟
مسعود: سمعتهم
يدعونك صاحب الشرطة.
العباس: ألم نتقابل
قبل ذلك؟ ألم تعرفني يا رجل؟
مسعود: أعرفك؟ ومن
أين لي أن أعرفك؟ (ينظر إليه جيداً فيحاول أن يتذكر أين رأى هذه الرجل قبل هذا
الوقت، تمر لحظات ولحظات… تتسرب إلى مخيلته بعض ملامح وجهه ونغمة صوته التي
اختزنها في مكان ما من ذاكرته) لا أدري...لكن ربما...لم أعد أتذكر .. لكن...(صمت،
يحاول التذكر مدققاً في ملامح العباس)
يهيأ لي أننا ربما التقينا قبل الآن!
العباس: (يزداد
قلقه وتوتره) أين يا رجل؟ أين؟ هيا تكلم … انطق .. هل تتذكر جيداً؟
مسعود: (شارداً
ببصره إلى السماء ينظر في الأفق البعيد، مسترجعاً ذاكرته التي أضرت بها الشيخوخة)
ظن كأنه اليقين بأننا التقينا في دمشق قبل ثلاثين عاماً مضت، نعم ها أنا قد استرجعت صورتك....... وإني ما أُراك
إلا العباس بن مجالد العتبي وكأني بك كنت
تكنى بابن أبي خارجة!
العباس: (يهب
واقفاً مصعوقاً) لقد صدق حدسي إذن! (ينصرف
عن مسعود، ثم بلهجة آمرة) هيا حلو وثاقه وأعيدوه من حيث أتيتم به.
مؤنس: وماذا عن
البقية؟
العباس: (مشيراً
بيده) ولا تحضروا أحداً من الذين في هذه الرقعة حتى آذن لكم. أفهمتم؟
مؤنس: سمع وطاعة
يا سيدي.
(يغادر
العباس الساحة ويأخذ الجنود مسعوداً ويخلوا الساحة)
(ديوان الخليفة المأمون، وهو ديوان ملوكي
من أرقى ما قد يتصوره المرء، حيث ازدان بقطع مختلفة من الأثاث الفاخر والزخارف
الجميلة والسجف الحريرية، وقد توسط الخليفة نفسه هذا الديوان الفخم في حين جلس
بحضرته عدد من مستشاريه ورجال دولته، يبدو أن الخليفة ينتظر شخصاً قد طلبه للمثول
أمامه، ولم يمكث طويلاً حتى استأذنه بالمثول في ديوانه فيدخل فإذا هو صاحب شرطته
العباس)
العباس: (بلهجة
احترام) السلام على مولاي أمير المؤمنين.
المأمون: وعليكم
السلام يا عباس. (يشير المأمون إلى من بحضرته بمغادرة الديوان إلى مكان آخر)
العباس:(ينتظر
حتى أخلي المكان) سمعت أنك طلبتني الساعة يا أمير المؤمنين؟
المأمون: (يقوم من
أريكته ويتقدم خطوات، ثم بلهجة غاضبة) ما هذا يا عباس؟ ماذا دهاك يا رجل؟ هل أنت
من رجال الخلافة أم من أعدائها؟
العباس: خيراً يا
أمير المؤمنين؟ بل لا زلت من رجالها المخلصين.
المأمون: (مشيرا
إليه) كيف تعمد ويحك إلى رجل قد أنفذنا
إعدامه فتمتنع أنت من تنفيذه وتوقف السيف قبيل أن يطيح برأسه؟
العباس: (مطأطأ
بصره قليلاً) إني لم أقصد ألبته أن أعصي أوامرك يا مولاي. وأنا الذي ظللت في خدمتك
منذ توليتَ حتى شاب مفرقي وأنا رهن أمرك.
المأمون: (مقترباً)
كيف تفعل هذا يا عباس وأنا الذي أنعمت عليك بهذا المنصب وخلعت عليك من الجاه
والخدم والحشم والمال الكثير، حتى صرت من وجهاء بغداد ومن رجال الخلافة؟
العباس: على رسلك
يا مولاي، فإنك لو فهمت ما وقعتُ فيه من بلوى لعذرتني يا مولاي فيما صنعت!
المأمون: (متفكرا)
عجيب! وماذا حدث لك وأنت ناعم لدي في دار الخلافة ترفل في عزها ونعيمها؟
العباس: لا ضير يا
مولاي، لا ضير، إذا كنت لا بد فاعلاً فضعني مكانه تحت السيف وأطلق سراحه، رأساً
برأس!
المأمون: (مستغربا)
ويحك يا عباس؟! هل جننت؟ أو صلت بك الأمور إلى أن تفدي من شغب على جند الخلافة
بنفسك فتطلق سراحه وتحل مكانه تحت السيف؟ أيعقل هذا العمل يا قوم؟
العباس: أرجو أن لا
تبعد في اتهامي يا مولاي، فأنا لا أزال من رجالك المخلصين، ومن أعوانك المطيعين،
ولكن لا بد أن أفضي إليك بسريرة أمري حتى تكون أنت على بينة مما فعلت.
المأمون: أي سريرة
تلك؟ ماذا هنالك يا عباس؟ هل أنت تعرف ذلك الرجل؟ هل لك شأن به او أنه من بني
عمومتك أو خؤولتك؟
العباس: لا إنه ليس
من أقاربي، ولا تربطني به صلة من قريب أو بعيد، ولكن...
المأمون: ولكن ماذا؟
العباس: لقد فداني
هذا الرجل بنفسه من الموت على يد أناس يطاردونني بالمدى والفؤوس يريدون أخذي وقتلي
والتمثيل بي.
المأمون: ماذا تقول
يا عباس، أيعقل ما تقول؟ كيف حدث هذا ومتى وقع؟
العباس: منذ ثلاثين
عاماً في أواخر عهد أبيك أمير المؤمنين الرشيد.
المأمون: (يعود
أدراجه) وما الذي وقع لك فحدث ما حدث؟
العباس: سأخبرك
بنبأي يا مولاي. لما دخلت في خدمة الخلافة وأمضيت سنتين في بغداد أُرسِلت إلى دمشق
مساعداً لمتوليها في ذلك الوقت ورئيساً لشرطته وكافة عسكر المدينة، فكان أن شغب
العامة وأحدثوا فتنة مثل التي حدثت قبيل أسابيع...
المأمون: (معقباً،
وقد هدأ قليلاً) أي فتنة تعني ، آه في غابر الأيام تذكرت الآن.... لقد شغلت تلك
الفتنة أبي الرشيد رحمة الله أسابيع حتى خمدت.
العباس: (مواصلا)
فشغب العامة والدهماء وتقاتلوا هم وعسكر المدينة حتى حصروهم في القلعة مثل ما حدث.
وكان الأمير قد استطاع الهرب هو وعدد من غلمانه والتحصن في ضيعة له خارج دمشق،
فبقيت أنا وحفنة من رجالي داخل القلعة، فكان أن تجمهر الثوار عند باب القلعة
فعالجوه حتى كسروه فانسابت جموعهم داخل القلعة وانتشروا في ممراتها وغرفها، عندها
تفرق عني رجالي وانفرط عقدهم وانسلوا عني واحداً تلو الآخر، فلم يثبت منهم أحد،
فأحسست عندها بالهلكة وأن علي أن أتدبر أمري قبل أن أقع فريسة تلك الغوغاء الذين
أشرعوا بأيديهم الفؤوس والسكاكين.... (يتوقف قليلاً)
المأمون: (عائداً
إلى أريكته) وكيف نجوت من قبضتهم وقد داهموك؟
العباس: لقد تلفّت
يمنة ويسرة علني أجد منفذا للنجاة من أيديهم وفؤوسهم المشرعة، لقد احتلوا كل
الممرات وأخذوا يجوسون خلال الغرف ليقبضوا علي وكأني طلبتهم الوحيد في البلدة،
إنها لمحنة عصيبة وأنا كالفريسة الحائرة التي ما تعتم تنشد الإفلات والنجاة من آفة
قد أحدقت بها من كل الجوانب...
المأمون: إنها
لتفاصيل عجيبة تلك التي ترويها يا عباس، لماذا لم تخبرني بتلك المحنة إذن؟
العباس: لم تحن
فرصة لأخبرك بها إلا الآن ….. (مواصلاً) ثم فتشت جيدأ عن مخرج من هذه المأزق، فلم
أجد أمامي إلا نافذة في غرفة تطل على خارج القلعة، أطللت من تلك النافذة، فوجدت
بيني وبين الأرض بوناً شاسعاً تحلق به النسور وجوارح الطير، ورأيت جموع الغوغاء من
بعيد تتدفق إلى القلعة وبيني وبينهم خندق من الماء، ففكرت أني لو تدليت بحبل من
تلك النافذة فإنهم لا محالة سيرونني ويعرفونني ثم يرشقونني بما معهم من سهام
ومقاليع حتى أصبح كالشن الممزق، عندها ألهمني الله فذهبت إلى بئر القلعة قبل أن
يصلها المقتحمون فأخذت دلوا عظيمة من الخشب فتدليت بها من تلك النافذه، وإني يا
مولاي لا أزال أسمع وقع نصالهم حتى وصلت إلى الأرض فضربت في الخندق وخضت في الماء
حتى نفذت إلى جهة بعيدة عن جموع الثوار، فسلكت في أرض ذات آجام وشجر وشعرت قليلاً
أني قد خلصت....
المأمون: (متابعاً
باهتمام) وأين اتجهت بعدما خلصت من أيديهم؟
العباس: لقد شعرت
مخطئاً بالخلاص، إذ أن كوكبة من فرسانهم انتبهت لطريقي التي سلكتها فأخذوا
يطاردونني من بعيد، وأنا قد بلغ مني الجهد الغاية، فيممّت إلى طرف البلدة وشرعت في
محلة من محلاتها، ثم اتجهت إلى بيت من بيوتها على غير ما هدى بقصد الاحتماء به،
فطرقت الباب بسرعة فخرج إلي صاحب البيت وأدخلني بيته، فأخبرته بخبري فرق لي فخبأني
في إحدى الغرف، فلم يُرع إلا والرجال يطرقون بابه بقوه وكأنهم يريدون كسره، فأمرني
بالمكوث في مخبأي وانتطق هو سيفه وتأهب لمناجزتهم ثم فتح الباب. كلموه أولاً
وسألوه عما إذا كان قد آوى طريداً لهم في هذه الساعة، فنفى ذلك بشدة، فأكدوا عليه
بأن الطريد شوهد وهو يدخل في أحد البيوت وأنهم يريدون الآن إخراجه، فقال بأن بيوت
المحلة كثيرة فلماذا لا يفتشوا في البيوت الأخرى غير هذا البيت!
المأمون: وهل اكتفوا
بإجابته وكروا راجعين على أعقابهم؟
العباس: كلا يا
مولاي، لقد شكوا من رفضه ذاك، فأصروا على أن يفتشوا البيت بأنفسهم ليكونوا
مطمئنين، فأبى عليهم صاحب البيت انتهاك حرمته وتفتيش بيته بغير رضاه، وخرجت زوجته
تولول وتقول: واغوثاه ! واعواراه! وا بياتاه! يا لربيعة! يا لكلب! أين أنتم يا
فرسان الحقائق، وأخذت تستصرخ جيرانها وهم حي من ربيعة وكلب أخوال صاحب البيت،
فتوافد فتيان من بني ربيعة وكلب لنداء الصريخ وجاءوا ملبين للنجدة، عندها رأى
الرجال أنهم ربما يقعون في أمر لا تحمد
عقباه مع هؤلاء الفرسان القادمين فانصرفوا على أعقابهم خائبين. فمكثت أياماً في
حماية صاحب البيت حتى هدأت الفتنة وجاء جند الخلافة من بغداد وأعاد الأمور إلى
نصابها وسيطر على شؤون المدينة وأمنها. فغادرت ذلك البيت وشكرت صاحبه على حمايتي
وضيافتي في كل تلك المدة مع ما تحمله بسببي من محنة ومشقة.
المأمون: (معقباً)
إذن، إنه لعمل عظيم ذلك الذي قام به من أجلك.
العباس: نعم إنه
كذلك، ولكن يا مولاي أتدري من يكون ذلك الرجل؟
المأمون: (متوجساً)
ومن يكون ذلك الرجل يا عباس؟
العباس: إنه مسعود
بن ثابت الدمشقي الذي أمرتَ بإعدامه هذا الصباح وطلبتني من أجله.
المأمون: (يقوم من
أريكته ويتقدم خطوات) يا لها من فادحة إذن؟ كيف يكون هو يا عباس؟
العباس: هو بعينه
يا مولاي، إني لم أنسه ولم أنس ملامح وجهه رغم
ثلاثين عاماً تصرمت منذ آواني في بيته؟ وكيف أنساه وقد فداني بنفسه وتكبد
بسببي المشقة؟
المأمون: (مفكراً
برهة) .... لقد اتضحت لي المسألة الآن، وبدأت أعذرك يا عباس فيما أقدمت عليه من
منعه من السيف، حتى عرضت نفسك بدلا منه، ولكن... (يصمت)
العباس: (مترقباً)
ولكن ماذا يا مولاي؟
المأمون: إني لأقدر
موقفك يا عباس وإن ما فعلته ليدل على أنك امرؤٌ ذا مروءة عالية، وإن المروءة لن
تزل مرعية الجانب مصونة الذمام ما بقي في الناس أمثالك، ولو كنت أنا مكانك لما
قصرت عنك، ولقد هممت يا عباس أن أكافئه على صنيعه معك فأعفوا عنه لكن....(يتوقف،
فيتوجس العباس من هذه اللكن، ثم بأسلوب خطابي) ولكن كما تعلم فإن سياسة الحزم تفرض
علينا أن نعاقب من ينتقض على الخلافة كائناً من كان! وهذا مسلك تعلمناه من أبي
جعفر يرحمه الله.
العباس: (يشعر
بخيبة الأمل قليلاً، فيقول ملتمساً) أفهم ذلك جيداً يا مولاي، وأقدر ما تقول، لكن
لا يمنع ذلك أن نتثبت من الأخبار قبل أن نبني عليها أحكاماً، خاصة في حق رجل له
سابقة في خدمة الخلافة.
المأمون: (مستفهماً)
ماذا تقصد من قولك هذا يا عباس؟
العباس: (مقتربا)
مولاي.. إني لأ شك فيما نسب إلى هؤلا الرهط الذين أرسلهم إلينا صاحب دمشق، وخاصة
في رجل له سابقة وذمام في خدمة الخلافة ورجالها.
المأمون: (مندهشا)
كيف هذا يا عباس؟ أتشكك في اعترافاتهم التي أرسلت معهم؟ إنك تقول هذا بسبب صاحبك
الذي فيهم.
العباس: حاشاي يا
مولاي، لكننا لم نتحقق من أقوالهم بأنفسهم، ولم نأخذ من أفواههم، وإنما اكتفينا
بما ورد إلينا دون تثبت أو تمحيص.
المأمون: كأنك توميء
إلى إحضارهم ومكاشفتهم والتحقق منهم فيما نسب إليهم.
العباس: هو ما
أرجوه منكم يا مولاي، حتى نكون على بينة وتثبت من عقابهم.
المأمون:
(يسكت هنيهة كمن يفكر، وينتظر العباس جوابه بفارغ الصبر)... لك ما تريد يا عباس،
إنك لم تبعد في الطلب، ولن أبعد في الإجابة ماداموا سيظلون عرضة للعقاب. أحضرهم باكرأً إلي مجلسي.
العباس: دام عزك يا
مولاي أمير المؤمنين.
ستار
المنظر الخامس
ديوان الخليفة المأمون كما في المنظر
السابق، الخليفة جالس على أريكته، فيما يدخل عليه العباس)
العباس: السلام
عليكم يا مولاي.
المأمون: وعليكم
السلام ورحمة الله، هل أحضرت الرجال؟
العباس: نعم يا
مولاي، وفي مقدمتهم مسعود.
المأمون: إذن ليدخل
علي أكبرهم وليكن مسعوداً.
العباس: أمرك يا
مولاي.
(يدخل مسعود الدمشقي، وقد تحسنت حالته
قليلاً)
مسعود: السلام
عليك يا أمير المؤمنين.
المأمون: وعليكم
السلام ورحمة الله، (يتأمله قليلاً من الوقت) هل أنت مسعود الدمشقي؟
مسعود: نعم أنا هو
يا أمير المؤمنين.
المأمون: (يشير إلى
العباس) هل تعرف هذا الرجل الواقف قريباً منك ؟
مسعود: (يلتفت إلى
العباس) نعم أعرفه وأذكره منذ زمن بعيد.
المأمون: وكيف
عرفته؟
مسعود: لقد كان
متولياً على شرطة دمشق في ذلك الزمن، فارتجت دمشق ذات ليلة فطلبه أناس ليقتلوه
فآويته وحميته منهم حتى إذا هدأت الأمور وخمدت الفتنة ودّعتُه وعاد إلى منصبه.
المأمون: هل كنت
تعرفه في ذلك الوقت؟
مسعود: وكيف لا
أعرفه وقد كان صاحب الشرطة في المدينة ومن رجالها المعدودين. وأظنها ستكون سابقةً
لي عندكم في خدم الخلافة ورجالها، لا في الانتقاض عليها كما لُفِّق علي زوراً
وبهتاناً!
المأمون: إذن أنت
تزعم بأنك لم تشترك في الفتنة الأخيرة.
مسعود: وكيف اشترك
فيها أو أعين عليها وأنا الذي كنت مسافراً إلى منبج ولم أعلم عنها إلا بعد أن
أصبحت خبراً يروى. إني لم أشغب ولم أحرك ساكناً، بل إن الذين شغبوا هم أهل الأسواق
ومن تبعهم من الباعة وأهل الصناعات والسوقة ومن والاهم من الدهماء.
المأمون: وهل علمت
لِمَ شغبوا على جند الخلافة؟
مسعود: إنهم لم
يشغبوا على جند الخلافة قط، بل شغبوا على جباة الوالي لما حملهم الوالي حملاً على
أداء مكوس وإتاوات ما أنزل الله بها من سلطان، أرهق بها كواهلهم في وقت كساد
تجاراتهم. وكل تلك الأموال التي يعصرها من كد الناس يأخذها هو ليعمر بها ضياعه
التي يشتريها دوما في الغوطة.
(ينظر المأمون إلى العباس مذهولاً)
العباس: أرأيت يا
مولاي!
المأمون: (يلتفت إلى
مسعود) كيف إذن ساقوك إلى بغداد؟
مسعود: لقد أخذت
من بيتي بخدعة، قالوا بأن الأمير يريدني لاستشارة في الأرض والزراعة فمضيت معهم
فوجدت نفسي في السجن ثم سرعان ما أخذوني على البريد إلى بغداد.
المأمون: ولماذا
تُرى أخذوك؟
مسعود: لقد تبين
لي الأمر يا أمير المؤمنين، إن الأمير يريد إقصائي من دمشق قبل ذلك الوقت بأي وسيلة،
فلما هاجت الفتنة انتهز تلك الفرصة فأدرجني في عداد أعداء الخلافة فقبض علي
وأرسلني إلى بغداد لكي أُقتل فيخلو له الجو بعدي ليفعل ما يشاء!
المأمون: ليفعل ما
يشاء! عجيب، وهل أنت نافسته على سلطانه لتقول ذاك؟
مسعود: لا لم
أنافسه شيئاً من سلطانه ولم انتقض عليه، ولم أناصبه العداء، ولكنه أصر عليّ أن
أبيعه أرضي التي على ضفة النهر لتصبح أرضه المتاخمة لها مطلة عليه ليس بينه وبينها
أحد، فأبيت أن أبيعه أرضي التي أعيش منها والتي توارثها آبائي منذ الفتح. فحقدها
علي وبان حقده في كل شؤونه ومعاملاته معي. فمن هنا أُتيت.
المأمون: (صمت، ثم
إلى العباس) أين الحرس الذي جاء بهؤلاء الرجال من دمشق؟
العباس: إنهم في
الخارج يا مولاي، مع حرس السجن.
المأمون: (عائداً
إلى مكانه) أحضروهم بين يدي الآن.
العباس: أمرك يا
مولاي.
(يشير العباس لأحد مساعديه فيخرج
لإحضارهم، لا يمضي وقت طويل حتى يدخل المساعد ومعه رئيسهم، فيما انتظر البقية بباب
الديوان)
العباس: ها هم
أولاء بباب الديوان، وهذا هو رئيسهم.
المأمون: هل أنت
الذي رافقت البريد حرساً للرجال الذين أرسلهم صاحب دمشق؟
رئيس العسكر: نعم يا
مولاي، لقد أُمرت أنا ورجالي بتسليمهم إليكم على أنهم من أعداء الخلافة لتروا فيهم
رأيكم.
المأمون: وهل هذا
الشيخ منهم؟ (يشير إلى مسعود)
رئيس العسكر: (ينظر إلى
مسعود) نعم يا مولاي؟
المأمون: وكيف قبضتم
عليه؟
رئيس العسكر: أمرنا
الوالي بالقبض عليه فذهبنا إلى بيته ليلاً فأخذناه من بيته مثل البقية.
المأمون: إذن لم
تقبضوا عليه وهو متورط في الفتنة أو وهو يشغب أو يعين على جند الخلافة؟
رئيس العسكر: إنما نحن
من حرس القلعة، وبعد هدوء الأمور في البلد أمرنا الأمير بأخذه وقال بأنه يريده في
استشارة، فذهبنا وأحضرناه، ونحن يا مولاي حرس ننصاع لما يلقى إلينا من أوامر وليس
لنا الخيرة في ذلك.
المأمون: لا ضير،
أفضيت بما أردت منك فانصرف عائداً إلى رجالك.
(يخرج رئيس العسكر من الديوان)
المأمون: الآن اتضحت
لي الأمور، (يقوم متقدماً خطوات) تباً له غلام السوء! ياللنازلة، كيف يستغل هذا
الوالي منصبه ويسيّر جند الخلافة لتنفيذ أغراضه الدنيئة؟ ثم يزج بأناس أبرياء
يرسلهم إلينا لندق أعناقهم بناء على توصيته؟ يالها إذن من سُبة!
العباس: لقد كان
شكي في محله يا مولاي، فما كان بالمحمود السيرة منذ تولاها. وقد ضج الناس منه ومن
فعائله، والتي كان آخرها ما هاجت الفتنة بسببه!
المأمون: (يظل
مفكراً هنيهة) سأريه الآن نتيجة صنيعه وسيقع في شر أعماله (إلى كاتبه) فما دمنا قد
وقفنا على فعائله، فاكتب الآن بعزله، وبرد ما أخذه من أموال، ثم أؤمره بالمسير
إلينا لمعاقبته على ما اجترمه في حق مسعود وبقية الناس. وأنت يا مسعود لا أملك بعد
أن ظهر أن ليس لك يد فيما حدث إلا أن
أكافئك على صنيعك القديم الذي قمت به مع العباس والذي أنقذك بعد الله من حد السيف
ومن مكائد عنبسة بن خديج صاحب دمشق. فلقد علمتُ الآن أن صنائع المعروف تقي مصارع
السوء.
مسعود: أبقاك الله
لنا يا مولاي، فما كان المعروف ليضيع عند رجال مثل صاحب شرطتك العباس بن مجالد
العتبي.
المأمون: يا عباس،
دونكم الرجل، أكرموا مثواه، وأحسنوا وفادته، واخلعوا عليه، ثم جهزوه ورافقوه إلى
أن يصل راشداَ إلى بلده.
العباس: أمرك يا
أمير المؤمنين، وجزاك الله عني وعن مسعود وعن الناس أجر ما صنعت وقدمت.
مسعود: شكر الله
لك يا أمير المؤمنين ولا عدمنا كرمك وإحسانك.
ستار
المدينة - ذو الحجة 1419هـ