أدبيات صالح المطيري

 

سهيل إدريس وقصيدة جاهلية

 

الخندق الغميق:

في روايته (الخندق الغميق) بالغين المعجمة، يروي الدكتور إدريس سيرته الذاتيه منذ الطفولة وحتى رحيله إلى باريس للدراسه. وفي تلك الروايه يبين الكاتب كيف نشأ في جو متدين محافظ يمثله الاب والأسرة والمدرسه. ثم يرينا في أحداث وتطورات متعاقبة الصراع الذي نشأ بين نفسه التي تتوق للتحرر من هذا الجو وبين والده ذي الطباع الصارمة التي لم يرقها تطلعات الولد التحررية، وفي أثناء الرواية يشرح إدريس كيف كان تعليمهم في المعهد الديني، ويبدي سخريته خاصة مما كان يدرس لهم هناك، فمن ذلك يصور لنا إدريس كيف كان المدرس الدمشقي يشرح لهم مقطوعة من الشعر الجاهلي تصور معركة مع الأسد، الأ وهي قصيدة بشر بن عوانة العبدي التي أوردها البديع في إحدى مقاماته والتي مطلعها : أفاطم لو رأيت ببطن خبت    وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا. يقول إدريس بسخرية واضحة بأن المدرس كان أثناء الدرس يمثل لهم تلك المعركة مع الأسد وكيف كان الأسد يزئر ويتربص ببشر، وكيف تمكن بشر في النهاية من القضاء عليه، كان المدرس يقفز ، ويزمجر ، ثم يهوي بالسيف ويتقدم ويتأخر بحسب أبيات القصيدة الحافلة بالحركة. والحق يقال إن سخرية إدريس لم تكن في الحقيقية من ذلك المدرس الظريف بقدر ما هي  سخرية من تلك المقطوعة الكلاسيكية ، فلا أدري في الحقيقة إذا كان الكتاب الفرنسيون الذي كان يترجم لهم إدريس يقدسون تراثهم الكلاسيكي فلماذا لا يحذو هو حذوهم ويحترم كلاسيكيات قومه ولغته الأم. إن تلك القصيدة علاوة على كونها من كلاسيكيات العربية فإن فيها كثير من العناصر الفنية التي تشد إعجاب القاري المتذوق.

ملخص المعركة مع الأسد:

طبعا القاريء البسيط يقرأ تلك القصيدة  فقط ليرى محصلة المعركة مع الأسد، لآنه في الأساس يبحث عن المعلومة، وسبب تلك المعركة ، ولا بأس بإيراد تلك المعلومة، هي اشتراط عم بشر لكي يتزوج من بنته أن يحضر ألف ناقة ، وهو طبعا شرط تعجيزي واجهه كثير من العشاق التعساء، واشترط العم كذلك أن تكون من إبل خزاعة، لماذا ياترى؟ لان الطريق إلى خزاعة يوجد في مسلكه أسد يتربص بالقادمين ، فلا يكاد يفلت منه أحد، ولذلك اجتنبت العرب تلك الطريق المهلكة ونظمت فيها الأراجيز، لكن صاحبنا بشر أبى إلى أن يكمل طريقه إلى خزاعة، فواجه الأسد هناك فحصلت المعركة التي أسفرت عن نهاية ذلك البعبع الذي كان يخوف الناس، ولما رجع بشر بقصيدته رضى عنه عمه وزوجه بنته. وحكايه ذلك الأسد المتربص و المعركة مشابهة لتلك التي وقعت لآوديب عندما واجه (ابو الهول) الذي كان لا يفلت منه أحد، وكان سلاح ذلك الوحش هو عبارة عن أحجية يلقيها على الإنسان فإذا لم يفلح في حلها أهلكه، طبعا أوديب انتصر بحله لتلك الأحجية المعروفة (ما هو الشيء الذي يمشي في الصباح على أربع، وفي الظهيرة على اثنتين وفي المساء على ثلاث؟) ، ولما انتصر أوديب وقتل أبو الهول عينه سكان المدينة حاكما عليهم، كما هي المحصلة مع بشر بتزويجه من بنت عمه.

الجوانب الفنية:

من الأشياء البارزة في القصيدة هي عنصر الحركة، طبعا هذا محتمل لأن القصيدة تتحدث عن معركة بالأساس. وفائدة الحركة في القصيدة هي إضفاء الحيوية والنشاط في جسد القصيدة. طبعا هذا الكلام لا يتضح الا بايراد القصيدة وتأملها.  يقول بشر في قصيدته:

أفاطم لو شهدت ببطن خبت  وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

إذا لرأيت ليثا زار ليثا  هزبرا أغلبا لاقى هزبرا

تبهنس إذ تقاعس عنه مهري  محاذرة، فقلت: عقرت مهرا

أنل قدمّي ظهر الأرض؛ إنّي  رأيت الأرض أثبت منك ظهرا

وقلت له وقد أبدى نصالاً      محدّدة ووجها مكفهرّا

يكفكف غيلة إحدى يديه   ويبسط للوثوب علّى أخرى

يدلّ بمخلب وبحدّ ناب    وبالّلحظات تحسبهنّ جمرا

وفي يمناي ماضي الحدّ أبقى بمضربه قراع الموت أثرا

ألم يبلغك ما فعلت ظباه  بكاظمة غداة لقيت عمرا

وقلبي مثل قلبك ليس يخشى  مصاولة فكيف يخاف ذعرا؟

وأنت تروم للأشبال قوتاً  وأطلب لابنة الأعمام مهرا

ففيم تسوم مثلي أن يولّي  ويجعل في يديك النّفس قسرا؟

نصحتك فالتمس يا ليث غيري  طعاماً؛ إنّ لحمي كان مرّا

فلمّا ظنّ أنّ الغشّ نصحي  وخالفني كأنّي قلت هجرا

مشى ومشيت من أسدين راما  مراما كان إذ طلباه وعرا

هززت له الحسام فخلت أنّي  سللت به الظّلماء فجرا

وأطلقت المهنّد من يميني  فقدّ له من الأضلاع عشرا

فخرّ مجدّلاً بدمٍ كأني   هدمت به بناء مشمخرّا

وقلت له: يعزّ عليّ أنّي  قتلت مناسبي جلدا وفخرا؟

ولكن رمتَ شيئاً لم يرمه سواك، فلم أطق يا ليث صبرا

تحاول أن تعلّمني فرارا!  لعمر أبيك قد حاولت نكرا

فلا تجزع؛ فقد لاقيت حرّاً  يحاذر أن يعاب؛ فمتّ حرّا

فإن تكُ قد قتلت فليس عاراً فقد لاقيت ذا طرفين حرّا

 

أقول أن بشرا بقدر ما كان صعلوكا وخارجا عن قانون القبيلة، بقدر ما كان فنانا كذلك، خاصة في تصويره لمعركته مع الأسد في هذه القصيدة المفعمة بالحركة والنشاط، تأمل مثلا  قوله تبهنس إذ تقاعس عنه مهري أي انتفش واستعد للهجوم، ثم بعد ذلك نزوله عن الفرس ومواجهته للاسد، وكذلك قوله يكفكف غيلة إحدى يديه   ويبسط للوثوب علّى أخرى ، ... إلى آخر القصيدة، وعلى أية حال لا عجب أن تكون هذه من عيون الشعر الجاهلي  ومن مشهوره كذلك.

 

 

علق على الموضوع

(مع ذكر عنوانه)