|
لا يسلم الشرف الرفيع من
الأذى حتى يراق
على جوانبه الدمُ
الشرف!
يستخدم الكثير من الناس الشرف حسب
منظورهم هم، وبناء
على أفكار مسبقة عنه، أو حسب تفصيلهم لهذه الفكرة.
وها نحن الآن نقف
لنرى بعض هذه التفسيرات لدى بعض الناس.
الشرف
عند العسكر:
هذه
قصة يرويها محمود شيت خطاب عن خبرته في بداية
الاربعينات لما التحق
بالجيش العراقي . قال
بانه لما تخرج من
الكلية الحربية تم تشكيله ضابط برتبة ملازم في
الجيش. وفي الأسبوع الاول
من الدوام قرر رئيس الفرقة أن يقيم حفلة للضباط
الجدد، وفي ضمنهم محمود خطاب نفسه. وكان الجيش
أيامها، ولا أدري هل لازال أم لا، مولعا بشرب
الخمور وتقديمها في الحفلات، حتى أنه كان من
المستبعد أن تجد ضابطا لا يحتسي الخمر،
, وأظن أنه هذه العدوى سرت إلي الجيش بفعل
تدريب كثير من ضباطه من قبل البريطانيين (فلا نعجب
إذن من ضياع فلسطين)، المهم أنه في تلك المناسبة
كان الجميع حاضرا في حفلة دارت فيها الكؤوس وترنحت
الرؤوس، عندها ذكر الضباط الآخرون للقائد الذي كان
مستمتعا بتلك الليلة القمراء
والنجوم الساطعة-- ذكروا له أن الضابط محمود لا
يحتسي الخمر ولا يشاركهم بهجة هذه الحفلة
التكريمية، عندها
اندهش اللواء لسماع هذه المقولة فما كان منه إلا
أن أخذ كأسا مفعمة بالخمر واتجه بها إلى محمود.
واجه اللواء الضابط محمود بما سمعه عنه ثم وقف
وقفة عسكرية ومد كأس الخمر إلى محمود وقال: أقسم
بشرفي العسكري إلا شربت هذه الكأس!
طبعا رفض محمود أخذ
الكأس، فدخل بعدها في أخذ ورد مع القائد لا أتذكر
تفاصيله. الشاهد هنا أن القائد أقسم بشرفه
العسكري ،
وبالمناسبه القسم
بغير الله لايجوز،
والشرف العسكري هذا لا بد أنه يعني لديه شيئا،
وإلا لم يقسم به، فما
هو يا ترى. هل هو مباديء
وقيم لا يحيد عنها المرء في كل
الاحوال، أم أنه كما
قد يرى البعض مجرد كلام يجيء ويذهب يؤكد به
الانسان عبارته، وليس
له حقيقة في الوجود؟ أم
أنه إضافة إلى ذلك مجرد كلمة دخلت إلى إلي عالم
العسكر من أقوام وجيوش أخرى (الإنجليز مثلا، لان
الكلمة مستخدمة لدى العسكر عندهم)؟.
شرف
المهنة:
وهذا
الشرف يوجد لدى كثير من المهن في المجتمع، خاصة
المهن ذات المساس والتأثير في تطور المجتمع ونموه.
وبعضهم يمسونه أخلاقيات
المهنة ، ولا شك أن لكل مهنة أخلاقياتها ،
ولعل من أول من أرسى دائم هذا الفن هم المسلمون،
ذلك أننا نجد مثلا في التراث الإسلامي كتبا تحمل
عنوان أدب الطبيب أوأدب
المعلم أو المؤدب أو أدب العالم والمتعلم ، أدب
المحتسب..، أدب القاضي.. إلى أخره من الكتب التي
تعج بها فهارس التراث. ولا
شك أنه قد أضاف العلماء المسلمون الشيء الكثير
عليه مما هو من صميم تعاليم الإسلام.
ومن
تطبيقات هذا المفهوم، أن شرف المهنة لدى المعلم
مثلا يقتضي أن يعامل الطلاب بنفس الطريقة
والمساواة، وألا يحابي أحدا
منهم ، وأن يخلص في تعليمهم ويجتهد في
تربيتهم التربية السوية القويمة وألا يلجأ إلى
وسائل الارتزاق الدنيئة التي لا تليق بدوره و
رسالته في المجتمع ، مثل إلجائهم إلى أخذ دروس
خصوصية أو بيع اسئلة
الامتحان لمن يدفع أكثر. وشرف المهنة لدى الأطباء
مثل آخر، ويمكن تمثيله بمحتوى قسم
أبقراط المشهور،
والذي ينص على أشياء كثيرة من ضمنها مساعدة
الفقراء في علاجهم وعدم أخذ أجره عليه، والحفاظ
على أسرار المرضى، وكذلك أسرار وعورات البيوت التي
يدخلها، ولكن هل يفهم الأطباء في يومنا هذا
المباديء هذه؟
خاصة الجزء المتعلق
بالفقراء مثلا، وهم يشترطون الأجور العالية
لعلاجهم؟ ومثل هذا يقال أيضا
للمعلمين ، الذين قد لا يعيرون شرف المهنة
كثير اهتمام، ويعتبرونه مجرد كلام إنشائي جميل
يمكن الاستفادة منه في الخطابة المدرسية ومقالات
المدح والتقريظ فقط.
الشرف
لدى عامة الناس:
والشرف لدى عامة الناس له دلالة مقاربة
من ما سبق. فنجدهم
مثلا يقولون : (وعد
شرف) و(أنا أشرف من هذه الوسائل)
او (هذه وسائل غير
شريفة )او (كسب غير
شريف)، و(هذا رجل شريف أو سيد في قومه)، و(لو كان
عندك ذرة شرف لم تقدم على مثل هذا)... (خلي عندك
شرف يا رجل) ، و(تشرفت
بمعرفتك يا سيدي)، و(الرجل الشريف لا يقبل بهذا
أبدا)، .... إلى آخر هذه
التعابير التي يحتل فيها الشرف مكانة سامية
أو عالية، والتي هي الأصل اللغوي (المادي
المحسوس) للشرف أقصد الهضبة أو
التلة المرتفعة عما
حولها ، أو (المشرفة) على ما حولها من هضاب وتلال
ووديان.
وفي أقصى حالات الدلالات
اللغوية لكلمة الشرف لدى عامة الناس، نجد مثلا ذلك
المعنى عندما يشير الشرف إلى شيء يتعلق بعرض
الإنسان وسمعته على وجه الخصوص،
,وأقصد هنا الحالات التي توصف في قولهم على
سبيل المثال : هذا إنسان ما عنده شرف، أو هذه
إمرأة فقدت شرفها،
هذه حادثة شرف، اعتدوا على شرفها، أو حاول فلان
الغمص من شرف فلان أو
فلانة..... إلى آخر
هذه المقولات الشرفية. ومما يتعلق بهذا الجانب
أني قرأت في أحد الجرائد أنه في الأردن سجلت كثير
من حالات القتل للشرف. أعني أن يعمد أحدهم إلى
ارتكاب جريمة قتل إحدى محارمه
لآنها ارتكبت عملا
مشينا مع شخص ما، او
لأن الألسن بدأت تلوك شرفها وتلوثه. طبعا الثقافة
العربية تعلي هذا الجانب المتعلق بالعرض ولا تجد
له دواء إلا الدم. أعني بهذا أن الثقافة العربية
المتمثلة في بيت المتنبي الذي تصدّر هذه المقالة
(لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على
جوانبه الدمُ) --- هذه الفكرة ترسخ مقولة أن الشرف
إذا اتسخ أو علا ه بعض القذى والملوثات فإنه فلا
يمكن غسله أو تنظيفه إلا بالدم (يعني بلغة العصر
أن الدم هو مزيل البقع الوحيد الناجع هنا). وهذه
الفكرة زادها بيت المتنبي أعلاه رسوخا وعمقا وبعدا
في الثقافة العربية، وأرجو أن لا يفهم شخص ما أني
أؤيد أو أقلل من شأن الثقافة العربية هنا أو أني
أقول هذا صح وهذا غلط، لا، بل أني أحاول قدر
الإمكان الابتعاد عن
إصدار أحكام حتى لا أدخل في شجار مع أحد القراء
(نعم شجار، لانه
لايوجد لدينا في
الأعم الأغلب حوار--- عفوا أصدرت حكما هنا!)
- وعلى سيرة شجار ، ومن باب الاستطراد
ونظرا لسيطرة الهاجس اللغوي علي، أقول لاحظ أن
العربية تصيغ كلمات
المشاركة أي التي يشترك فيها طرفان فأكثر على وزن
فِعال، مثل: قتال، نضال، سباق، قران، جهاد، نواح
(وأصلها بكسر النون، لكنها ضمت
لمشاكلة الواو)،
دفاع، نزاع، خصام، عراك، كفاح...
إالخ.،
ويلاحظ على هذه
القائمة أنها كلها أو جلها ذات دلالات غير سلمية
من الناحية المعنوية، أقصد ربما كانت صيغة مختصة
بالدلالة على أشياء غير محببة أو فيها تعب وجهد
مبذول من أفراد متعددين مثل القتال والنضال
والكفاح.



|