أدبيات صالح المطيري

 

 

من جهل الناس بالسنن اللغوية

 

نظرية فساد اللغة

 

هل سمعت من قبل بنظرية فساد اللغة؟

وهل تسميتي لها بنظرية يوحي بأنها مسلّمة منطقية لا تقبل الشك ولا يمكن مناقشتها ناهيك عن  تفنيدها او نسفها من أساسها؟ لكن كيف وقرت هذه النظرية في أذهان الناس و- وفيهم علماء ونحاة - على مر القرون؟ هذا ما سأتناوله في هذه السطور.

 

قبل الخوض في هذه المسألة لا بد بداية من تقرير قانون عام يتفق عليه الجميع، الا وهو ان لله في كل مخلوقاته سنن ونواميس تجري هذه المخلوقات بمقتضاها. فالحياه لها سنن وقوانين تحكم استمرارها وتطورها، والطبيعة لها كذلك ، والانسان، والحيوان ، والدهر والتاريخ والأمم والجماعات ... الخ،  كل شيء في هذه الكون يجري بالسنن والقوانين التي تحكم مجراه. ومن هذه المخلوقات اللغة، فاللغة شأنها شأن كل ما سبق لها سنن ونواميس، وهي مثلها مثل الكائن الحي، تمر بمراحل كثيرة وتتطور في حقب تاريخية متعددة ، وتؤثر وتتأثر بما حولها من حياة و بيئة و ناس وجماعات وحضارات مجاورة.

 

والآن سآتي على نظرية فساد اللغة:

ومؤدى هذه النظرية أن اللغة العربية التي كان يتحدث بها العرب في حياتهم اليومية كانت صافيه نقية لم يشبها شائبة منذ العصر الجاهلي مرورا بصدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين إلى نهاية الدولة الأموية سنة 132، هـ أي إلى ان كثر اختلاط العرب بالشعوب المجاورة ودخل في لغتهم اللحن والخطاء والكلمات الأعجمية، وذلك  بفعل دخول عدد كبير من الموالي الذين لم يتقنوا العربية في الإسلام واختلاطهم وتزاوجهم مع العرب أهل اللغة الفصيحة. وقد وقرت هذه الفكرة في أذهان أهل النحو على وجه الخصوص، فهم مثلا في الشواهد الشعرية يجعلون ابراهيم بن هرمة الشاعر المتوفى سنة 148 آخر من يستشهد بلغته. ويعتبرون من جاء بعده من الشعراء غير موثوق بهم مئة بالمئة من ناحية نقاوة السليقة العربية وصفاء القريحة اللغوية، التي لم يعكرها الامتزاج بالشعوب والثقافات المجاورة. وكأن الأخرين كالمتنبي والمعري وأبي تمام قوم نمتهم فارس والروم وارتضعوا في لغاتهم الأعجمية، ولم يرتضعوا بلبان العربية.

وقد انطلت هذه الفكرة ليس على النحاة فحسب، بل على فيلسوف كان يراقب حركة التاريخ ويشاهد ما فيه من تغيرات وأحداث وتطورات،  يقول ابن خلدون تحت (علوم اللسان العربي) في مقدمته بأن العرب: عندما خالطوا العجم تغيرت الملكة العربية بما ألقي إليها من مخالفات (أي لحن وخطأ)...... ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها. ويقول كذلك بأن علوم اللغة كالنحو مثلا نشأ " لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات الاعرابية .... ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم "

 

وعندي أن هذه النظرية، رغم تسميتي لها بنظرية، هي مغالطة لا تستند إلى دعائم علمية. لآن اللغة ، أي لغة ، شأنها شأن الإنسان نفسه، تتأثر بما يحيطها من حضارات وتؤثر فيها. وعلى اثر هذا التأثر ولتأثير تحصل اللغة على مفردات جديدة وربما تفقد بعضا من خصائصها النحوية، كالإعراب مثلا، والذي اختفى من لغتنا المحكية منذ قرون عديدة. طبعا أنا أتحدث هنا على مستوى اللغة المحكية المنطوقة وليس اللغة الأدبية المكتوبة ، إذ أن اللغة الفصحى المكتوبة والتي يتفاهم بها العرب أجمعون لم تفقد خصائصها النحوية والإعرابية لأنها محفوظة في القران الكريم والحديث والأدب والنواحي العلمية. لكن اللغة المحكية هي التي حدثت فيها تطورات كثيرة على مر القرون. وهذه التطورات هي من طبيعة اللغة التي تتغير وتتطور مثل الناس والجماعات والدول والحضارات، فهي ليست في حالة سكون البته، بل على العكس في حالة تطور وحركة دائمة. وهذا التطور الذي حصل في اللغة المحكية (او الفساد  بحسب نطرة النحويين) ليس بالضرورة سببه اختلاطنا بالشعوب الأخرى او احتكاكنا بالثقافات المجاورة، لا ليس بالضرورة، إذ كيف نفسر فقدان الإعراب من لغة الأعراب سكان الصحراء العربية مع أنهم ظلوا قرونا معزولين عن الأمم المجاورة، و لم يخرجوا من باديتهم إلا في العقود المتأخرة؟ فلو كانت العزلة تمنع اللغة من التغير والتطور لبقي هؤلاء الأعراب على حالهم الأولى يتكلمون لغة عربية سليمة معربة كما كان ينطقها امرؤ القيس والسليك بن السلكة في عصر الجاهلية. ولكن هذا مستحيل، فالتطور من سنن اللغة.

 

 

علق على الموضوع

(مع ذكر عنوانه)