أدبيات صالح المطيري

 

ساعة واحدة لا تكفي:

الكتابة والفراغ

 

هل من الممكن أن نفترض أن يكون حافظ مثلا كتب قصيدته الطويلة في عمر بن الخطاب على مكتبه في دار الكتب المصرية بين الأوراق والمعاملات والمحاضر الحكومية؟ وهل من الممكن أن يكون السياب كتب قصائده بينما كان يعتني بأولاده وأسرته؟ وهل من الممكن أن يكون باكثير كتب مسرحياته وهو يحضّـر ليلا لدروسه الصباحية في المدرسة ، بل هل من الممكن لمؤلفين قدامى ، كأبي عثمان الجاحظ  أو ابي الفتح بن جني، أنهم كتبوا مؤلفاتهم الأدبية واللغوية - أعني غير ما كانوا يمْلونه-  بيمنا كانوا يلقون الدروس على تلاميذهم ومريديهم الكثر؟ مستحيل طبعا، فلا بد لكل هؤلاء من وقت فراغ جلسوا فيه إلى الورق فدونوا فيه تلك الأعمال.

 

لا بد من وقت فراغ إذن، فلا كتابه من دون فراغ، وكل من تعرفهم من الكتاب الذين بلغت مؤلفاتهم العشرات كانوا في الحقيقة محظوظين من ناحية الوقت ، الذي استثمروه في تلك الاعمال. وحتى من ناحية الاسرة، وهي تأخذ من وقت الكاتب بلا ريب، فإن بعض هؤلاء لم يتزوج أصلا، وبذلك كفى نفسه مؤونة إعالة الزوجة والأطفال. وحتى لو تزوجوا فإن تلك العصور كانت تسمح لموسري الكتاب بتوفر قدر من الخدم والحشم والرقيق الذين يعتنون بالاولاد فيما يتفرغ هولاء العلماء للدرس والكتابه. ومن الكتاب الذين كفوا مؤونة الاسرة ، الجاحظ، فإنه لم يتزوج قط، وكذلك ابن دريد صاحب جمهرة اللغة  الشاعر المؤلف، والطبري المفسر والمورخ، والزمخشري صاحب الكشاف، وابن تيمية العالم الكبير ذي المؤلفات الكثيرة الذائعة. ومن متأخري اولئك الذين عزفوا عن الزواج وتفرغوا للكتابة والتأليف عباس محمود العقاد. وأما توفيق الحكيم ، ذي الأعمال الكثيرة،  فقد كان يعيش في فندق في القاهرة، ويبيت على تحبير أعماله ومسرحياته، أي انه كان منفصلا عن أسرته، هذا إن صح  أن له أسرة أو تزوج أصلا.

 

لكن رغم الظروف الكثيرة ورغم  مشاغل الدرس والتدريس، كان بعض العلماء يشترط على نفسه أن ينجز شيئا قبل أن ينام، فمثلا كان الفيرزوأبادي، صاحب القاموس المحيط، يشترط على نفسه كتابه مئتي سطر في أحد مؤلفاته قبل أن ينهي يومه، وبهذا اكتملت كثير من مؤلفاته ، أعني تلك التي لم يكن يمليها على تلاميذه. ونفس الحال ، أعني مداومة الكتابة اليومية قبل نومه، كانت للإمام النووي، الذي ترك تراثا عظيما ومؤلفات كثيرة، رغم عمره القصير نوعا ما ، حيث توفي في أواسط الأربعين.

 

 

 

عـلـق على هذا الموضوع