أدبيات صالح المطيري

 

الحريري استخباريا

 

هل ممكن أن تتصور أن يكون الحريري صاحب المقامات المشهورة ضابط مباحث أو استخبارات للحكومة؟ وهل لنا أن نتصور في ذلك الزمن القديم أن يشغل أبو القاسم وظيفة في جهاز أمن الدولة؟

طبعا هذه أسئلة قد تكون بعيدة الاحتمال في ذلك الوقت، نظرا لأننا كثيرا ما نظن بأن هذه الاجهزة هي من منتجات العصر الحديث ولم تكن موجودة في القديم.

ولكن الحقيقة هي ما يرويه ابن خلكان. إذ يقول أن أبا القاسم الحريري الذي كان يتخذ من البصرة موطنا له قد شغل منصب (صاحب الخبر) في البصرة مدة عشر سنين. ولنا أن نتساءل ما يعني (صاحب الخبر) هذا يا ترى؟ ولنا أن نسأل عن ما هي مهامه؟

الحقيقة أن صاحب الخبر بلغة العصر الحديث تعني مسؤول جهاز امن دولة ، او  ضابط مباحث فدرالية  كما يسمى في الولايات المتحدة. وكانت مهمة صاحب الخبر هذا هي نقل كل ما يحدث في البلدة التي هو فيها إلى العاصمة، بمعنى أن أديبنا أبا القاسم الحريري كان موكلا بنقل كل يجري في البصرة من أحداث ومشاكل وتطورات إلى دار الخلافة ببغداد. وكانت وسيلة اتصاله بدار الخلافة هي البريد، وكان البريد في تلك العصور معظمه للخلافة ، وكانت الأشياء الخاصة بالنواحي الإدارية كالقضاء والخراج ونحوه تذهب إلى الأشخاص ذي العلاقة في البصرة، فيما كان الجزء السري المختوم بالشمع الأحمر من نصيب صاحبنا أبي القاسم مؤلف المقامات المعروفة. لكن والحق يقال كانت مهمة أبي القاسم غير مؤذية لاحد، فلم يبلغنا حسب من ترجموا له أنه وشى باحد إلى دار الخلافة، أو سعى للنيل من شخص مستغلا وظيفته الأمنية. كان ابو القاسم أديبا فنانا قبل أن يكون موظف أمن دولة، كانا شغله الشاغل هو تحبير كتبه ومؤلفاته وإيداعها علمه و أفكاره. كانت تلك الوظيفة بالنسبة له قضية ثانوية وليست رئيسية، إذ لم يكن الرجل ناشطا في كتابة التقارير الأمنية بقدر نشاطه في كتابة إبداعاته الأدبية. وربما يكون في الأصل لم يطلب تلك الوظيفة ولا سعى لها، إذ أنها ربما جائته بالوراثة الإدارية من جهة أبيه، حيث كانت الخلافة في ذلك الوقت تورث بعض المهام والوظائف والإقطاعات الحكومية. لكن تظل تلك الوظيفة محطة في تاريخ حياته، ونقطة يتحدث عنها مترجموه في مجال خدمته لدار الخلافة.

 

 

 

علق على الموضوع