أدبيات صالح المطيري

 

دفاع  عن  أبي حيان

 

منذ كنت حديث عهد باطلاع  وانا اقرا في بعض كتب التراث ان الزنادقة الذين ظهروا في الاسلام ثلاثة او اربعة منهم الجعد بن درهم وابن الريوندي او الراوندي وابو العلاء  واخيرا  ابو حيان التوحيدي ، ويضيف ابن الجوزي بان ابا حيان هو اخطرهم نظرا لانهم جميعا اعلنوا وصرحوا وجاهروا بزندقتهم اما ابو حيان فانه الوحيد الذي لم يصرح بزندقته ، طبعا سرى هذا القول الذي كتبه ابن الجوزي في تلبيس ابليس عبر القرون وتناقله العلماء وكتاب التراجم والطبقات حتى العصر الحديث،حتى اني رايت مقالا في مجلة الحكمة التي تصدر عن احد المراكز الاسلامية في بريطانيا عنوانه (كتب حذر منها الامام الذهبي) مؤلف كتاب الطبقات الضخم (سير اعلام النبلاء)، وذكر في ضمن المقال ابا حيان التوحيدي ومقالة ابن الجوزي السابقة.

طبعا مع احترامي لمؤرخ الاسلام الامام الذهبي الا اني لا  اويده في التسليم بقول ابن الجوزي لاسباب عدة:

اولا: المعروف عن الامام ابن الجوزي عند المحدثين  انهم ياخذون اقواله في مجال تضعيف الحديث او توضيعه او الجرح في الرجال -- ياخذون اقواله في هذه النواحي على محمل النظر، لذا لم يسلموا بكثير مماجاء في كتابه (الموضوعات) اي الاحاديث الموضوعة. وقد سمعت شيخا مرة يقول ان المحدثين بتعاملون مع تصحيح الحاكم وتضعيف ابن الجوزي بشيء من الحيطة والنظر.

ثانبا: ان كتب ابي حيان موجودة في القديم ومازالت مجودة في العصر الحديث في حين انقرضت معظم كتب الزنادقة الاخرين في قائمة ابن الجوزي ماعدا ابا العلاء، اللهم الا من نتف يسيرة تجدها في كتب الرد على الزنادقه او تلك المؤلفة في الملل والنحل. لذا علينا ان ندرس كتبه الموجوده لنثبت ما يُزعَم من زندقة .

ثالثا:   كنت في الحقيقية قد تلقيت قول ابن الجوزي بالتسليم والقبول اول عهدي بكتب التراث الى ان شببت عن الطوق واطلعت على عدد من كتب ابي حيان, كالبصائر والذخائر ذي الاجزاء التسعة واخلاق الوزيرين والامتاع والمؤانسة, فلما نظرت في هذه الكتب وقرات فيها الكثير انبعثت في مخيلتي علامة استفهام كبيرة: اين الزندقة التي يقولون؟  طبعا انا احفظ قول ابن الجوزي بان أبا حيان لم يصرح عن زندقته في حين الآخرين صرحوا.

انك لو تاملت البصائر والذخائر مثلا لاستبعدت ان يكتب هذا زنديق، فالكتاب مشحون بالافتتاحيات الدعائية الابتهالية الجميلة والايات القرانية والاحاديث النبوية واقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والعلماء والزهاد والحكماء والخلفاء، اضافة الى كم هائل من الامثال  والحكم والعبر  والمواعظ، هذا فضلا عن استرسالات في الشعر والأدب واللغة والغريب ورسائل الكتاب واخبار العرب وطرائف الناس وملحهم ونوادرهم، إلى آخر ما فيه من عجائب وذخائر ممتعة ومفيدة،  فلنا بعد ذلك أن نتسائل أي زنديق يتبرع فيقيد لنا من راويته هذه القائمة الطويلة من المختارات النفيسة؟

رابعا: إننا لو نظرنا إلى نثر ابي حيان نفسه ، اقصد تلك المقاطع التي من انتاجه وليست من روايته ونقله لوجدنا انه يقول كلاما لا يبعده عن الزندقه فحسب بل يقربه من مذهب اهل السنة والجماعة، ثم انه من المعلوم اننا نحكم على الشخص بظاهر كلامه لا بما يخيل إلينا مما قد يضمره في نفسه، فالحكم هو على الظواهر أما الدواخل فعلمها عند الله.  اقرا معي مثلا افتتاحية (البصائر والذخائر) التالية:

 

بسم الله الرحمن الرحيم   وبه ثقتي   اللهم إني أسألك جداً مقروناً

بالتوفيق، وعلماً بريئاً من الجهل، وعملاً عرياً من الرباء، وقولاً موشحاً

بالصواب، وحالاً دائرة مع الحق؛ نعم، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم

راجعة إلى روح بال، وسكون نفس موصولاً بثبات يقين، وصحة حجة بعيدة من مرض شبهة،

حتى تكون غايتي في هذه الدار مقصودة بالأمثل فالأمثل، وعاقبتي عندك محمودة بالأفضل

فالأفضل، مع حياة طيبة أنت الواعد بها ووعدك الحق، ونعيم دائم أنت المبلغ إليه.

اللهم فلا تخيب رجاء من هو منوط بك، ولا تصفر كفاً هي ممدودة إليك، ولا تذل نفساً

هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلاً هو مستضيء بنور هدايتك، ولا تعم عيناً فتحتها

بنعمتك، ولا تحبس لساناً عودته الثناء عليك، وكما أنت أولى بالتفضل فكن أحرى

بالإحسان: الناصية بيدك، والوجه عان لك، والخير متوقع منك، والمصير على كل حال

إليك، ألبسني في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة، وحلني في تلك الدار الباقية بزينة

الأمن، وأفطم نفسي عن طلب العاجلة الزائلة، وأجرني على العادة الفاضلة، ولا نجعلني

ممن سها عن باطن ما لك عليه، بظاهر ما لك عنده، فالشقي من لم تأخذ بيده، ولم تؤمنه

من غده، والسعيد من آويته إلى كنف نعمتك، ونقلته حميداً إلى منازل رحمتك، غير

مناقش له في الحساب، ولا سائق له إلى العذاب، فإنك على ذلك قدير. ثبت- أطال الله

بقاءك- الرأي بعد المخص والاستخارة، وصح العزم بعد التنقيح والاستشارة، على نقل

جميع ما في ديوان السماع، ورسم ما أحاطت به الرواية، وأشتملت عليه الدراية، منذ

عام خمسين وثلاثمائة، مع توخي قصار ذلك دون طويله، وسمينه دون غثه، ونادره دون

فاشيه، وبديعه دون معتاده، ورفيعه دون سفسافه، ومتى أنصفتك نفسك، وهدتك الرأي،

وملكتك الزمام، وجنبتك الهوى، وحملتك على النهج، وحمتك دواعي العصبية، علمت علماً

لا يخالطه شك، وتيقنت تيقناً لا يطور به ريب، أنك ممن كفي مؤونة التعب بنصب غيره،

ومنح شريف الموهبة بطلب سواه، وذلك بين عند تصفح ما تضمن هذا الكتاب؛ فإنك مع

النشاط والحرص ستشرف على رياض الأدب، وقرائح العقول، من لفظ مصون، وكلام شريف، ونثر

 

ثم يذكر الموضوعات التي يحويها كتابه فيقول:

وأنا ضامن لك أنك لا تخلو في  دراسة هذه الصحيفة من أمهات الحكم، وكنوز الفوائد: أولها وأجلها ما يتضمن كتاب الله  تعالى

الذي حارت العقول الناصعة في رصفه، وكلت الألسن البارعة عن وصفه، لأنه المطمع ظاهره في نفسه، الممتنع باطنه بنفسه،

الداني بإفهامه إياك إليك، العالي بأسراره وغيوبه عليك، لا يطار بحواشيه، ولا يمل من تلاوته، ولا يحس بإخلاق جدته،
كما قال علي ابن أبي طال كرم الله وجهه: ظاهرة أنيق، وباطنه عميق، ظاهره حكم،
وباطنه علم. والثاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها السبيل الواضح،
والنجم اللائح، والقائد الناصح، والعلم المنصوب، والأمم المقصود، والغاية في
البيان؛ والنهاية في البرهان، والفزع عند الخصام، والقدرة لجميع الأنام.... الخ

 

ويمكنك أخي القاريء ان تتصفح الكتاب لتجد مثل هذا الكلام أعلاه الكثير، فالرجل موجودة كتبه في المكتبات وعلى الانترنت، كتلك التي في موقع الوراق. اقرا واحكم عليه بنفسك ، اطلع على الصورة كاملة ولا تجتزيء بما يقوله الآخرون فقط عنه.

والله المستعان في كل الأحوال.

 

عـلـق على هذا الموضوع