أدبيات صالح المطيري

 

 

دفاع عن أبي العلاء

 

لقد شاع في أفهام  عامة القراء، وربما وقر في عقول خاصتهم، ممن لديه علم أو شعر أو أدب، بعض المزاعم التي حيكت حول أبي العلاء المعري، أحد شعراء العربية الكبار، من أنه كان متشككا أو ملحدا، وما أشبه من هذه الصفات التي تلحقه بركب الزنادقة والمارقين. وربما أعتمد البعض على خبر ورد في كتاب ، أو أبيات مشككة تروى وتنسب إلى أبي العلاء. أو كلام يتناقله الناس.  ولتوضيح كيف التصقت كل هذه التهم الباطلة بأبي العلاء كتبت هذه السطور.

عاش أبو العلاء المعري طوال سني حياته قعيد بيته، وكان عالما كبيرا باللغة العربية، بنحوها وصرفها ومفرداتها وجوانب الابداع والبيان فيها، وكان فوق ذلك شاعرا مجيدا أثار شعره إعجاب الشعراء والعلماء والقراء على حد سواء إلى يومنا  هذا. وكان - رغم ما وصل إليه من علو الكعب في اللغة والشعر - لا يتسول أعتاب الملوك والسلاطين كما كان يفعل شعراء عصره الذين كانوا يتهافتون على الحطام تهافت الفراش على النار. ومع لزومه لبيته وعدم تنقله إلا أنه كان يأتيه طلاب الشعر والأدب إلى بيته فيتعلمون منه اللغة والشعر وسائر فنون العرب. ومنهم تلاميذ كبار تعلموا عليه ورووا عنه، مثل الخطيب التبريزي صاحب شرح اختيارات المفضل، ومؤلفات أخرى كثيرة. ولم تمض فترة طويلة من عمره حتى اشتهر علمه وأدبه وسرى ذكره وفضله، وكان العصر الذي وجد فيه عصر كثر فيه التسلط وعمت فيه السعاية، ولم يعدم كذلك عددا من الحساد الذين شرقوا بما حققه أبو العلاء من سبق وفضل وهو قعيد في بيته لم يغادره ليتسول أعتاب الأعيان كما كانوا يفعلون. وكان ملوك العصر كذلك غير راضين عنه لتقصيره في تمسيح بلاطهم مثل بقية الشعراء والأدباء الآخرين، لا سيما وأنه قد انتقدهم وكشف ما هم فيه من أنانية وتجاهل وتضييع لحقوق الرعية، ومن ذلك بيته المشهور:

مل البقاء فكم أعاشر أمة    حكمت بغير صلاحها أمراؤها

وكان أبو علاء حينها في قمة مجده العلمي والأدبي، ويشهد على ذلك أبياته في قصيدته(ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل)  التي في (سقط الزند)، ومن نماذج ما ناله من حسد، موقفه في مجلس الشريف الرضي، فقد كان هذا الشاعر، أقصد الرضي،  يحسد الأموات - مثل المتنبي- على إنجازهم الشعري وسبقهم الأدبي، فما بالك بالأحياء من أمثال أبي العلاء؟ والقصة تتلخص  أن الرضي- وهو بعد المتنبي بقرن، ذكر المتنبي فنال منه في حضرة أبى العلاء، فقال أبو العلاء: لو لم تكن له إلا قصيدته (لكِ يا منازل في القلوب منازل) لكفته! فاغتاظ عندها الرضي وقال : أخرجوا هذا الأعمى من مجلسي. ثم التفت إلى أصحابه وقال: أتدرون ما عنى بهذا؟ فقالوا: لا. قال إنه يشير إلى بيت المتنبي في نفس القصيدة: فإذا أتتك مذمتي من ناقص  فهي الشهادة لي بأني كامل! فتعجبوا من فطنه الرجلين!

المهم أن أبى العلاء أثار حنق أنداده ومعاصريه بما حققه من مجد أدبي وعلمي، وامتلأت قلوبهم كمدا وحسرة  وهم يرون أبياته تسري في الآفاق، وتسابق الليل والنهار، في حين أن أبياتهم المهترئة لم تغادر البلاط الذي أنشدت فيه، أضف إلى ذلك نفراً من المنتسبين إلى العلم، الذين فاقهم في إحاطته بعلم اللغة والرواية والأخبار ، خاصة في رسالة الغفران، المهم أن كل هؤلاء حصرت صدورهم بكل هذا المجد، فلم يجدوا إلا أن يزيفوا أبياتا على لسانه، مضمونها الشك والارتياب، وراحوا يبثونها بين الناس، وربما كتبوها في الكتب، وبعضها ربما حشر في صلب بعض مؤلفات أبي العلاء،  بعد أن رحل عن هذه الدار. لذا لا ينبغي أن نأخذ ما يرد في الكتب بمنطق الإقرار والتسليم، حتى لو ورد في بعض كتب التاريخ والتراجم المشهورة، لان هؤلاء المصنفين إنما ينقلون عن كتب كذلك، أو عن روايات لا ترقى إلى مستوى الصحة والتسليم. 

بقي أن أذكر أن الشيء الوحيد الذي ربما  يصح عن أبي العلاء، هو امتناعه عن أكل اللحم والمشتقات الحيوانية ، لان ذلك ثابت في مراسلات بينه وبين أحد علماء مصر في العصر الفاطمي، وأثبت بعضها مصنف النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة. وفي هذه المراسلات يسوق أبي العلاء تبريراته عن امتناعه عن تناول اللحم ومشتقاته، والحق يقال أنه ربما كان متأثرا في هذه الناحية ببعض الآراء الفلسفية التي يعتقدها النباتيون بصورة عامة. ولكنها لم تصل إلى حد الإلحاد، كما يزعم مناوؤه. أقول قولي هذا واستغفر الله من كل ذنب.

 

عـلـق على هذا الموضوع