بين أرول و هكسلي: اقتصاد، تقنية، خصوصية وسخرية

(رشارد بوسنر)

ترجمها عن الانجليزية

زيد العامري الرفاعي

جامعة كلفورنيا - رفرسايد

 


مقدمة:

 لاتزال رواية 1984 المنشورة قبل نصف قرن في أجواء سياسية، اقتصادية واجتماعية مختلفة تمام الاختلاف عن واقع اليوم، تحتفظ بقدر معين من  المعاصرة. وكرواية سياسية فأنها كانت صيحة تحذير من الواقع الاستبدادي في الاتحاد السوفيتي فضلا عن الاتجاهات الاستبدادية التي أبصرها أرول  في الغرب. غير أن الملفت للنظر انه غالبا ما ينظر إليها  على إنها كانت أيضا صيحة تحذير ضد الأخطار الكامنة التي يمثلها التحديث التكنوقراطي للمجتمع  وبالأخص   لمسألتي الحرية والخصوصية   لان التقدم العلمي التقني السريع الخطى ، كما يؤكد كثيرون، قد قربنا من حافة الكابوس الذي صوره ارول  في روايته. سنحاول تقويم وجهة النظر هذه وفي الوقت نفسه نستعرض رواية انجليزية ساخرة أخرى ونعني بها رواية   الدوس هكسلي عالم جديد شجاع المنشورة عام 1932 والتي  تشترك رواية ارول، المنشورة عام1949،في كثير  معها؛  إذ تأثر أرول  برواية هكسلي مقتبسا منها الكثير [وكلاهما اقتبسا من رواية  نحن ليفيجيني زامياتين 1924 ]. على ان رواية  هكسلي ابعد غورا في منظورها التقني بحيث تتجاوز حدود الرؤية الاجتماعية لأرول. ويبدو التناقض بين هاتين الروايتين مدهشا وخاصة بما يتعلق بوجهة نظرهما عن العلاقة بين الجنس والخصوصية  الفردية؛ غير انه ليس من اليسير فهم تناول  الروايتين  للتقنية وبالتحديد للتحديث التكنوقراطي الذي يؤثر ويتأثر بالتقدم التقني إلا بضوء منهج علم الاقتصاد وعلاقته بالتقنية و منهج النقد الأدبي وعلاقته بأدب السخرية وهو ما يميز الروايتين كجنس أدبي ، مستدركا في الوقت نفسه على إن رواية أرول  لم تقتصر على السخرية فقط.

ولتقريب  وجهة نظري لا اعتقد أن أيا من الروايتين تقدم لنا الكثير  عن معنى الحياة في عصر التقنية وليس لديهما الكثير للقول  عن الخصوصية الفردية(وهو مايقلق المتخوفين من التقدم العلمي) رغم ان مايقولانه عنه مهم ـ وبالا خص ان الميل للعزلة لايعجب انظمة الحكم  (والتنظيم الاجتماعي) التعسفية ، سواء كان ذلك نفعية عالم جديد شجاع ام استبدادية  1984  لان البشر في حالات العزلة والوحدة  يميلون لتبني  آراء متقلبة حول مجتمعهم اكثر مما لو كانوا مندمجين فيه. وقد مثل أرول  لعلاقة  التقدم التقني بالخصوصية الفردية بالشاشة التلفازية ؛ بينما  لانجد مثل هذه العلاقة في رواية هكسلي إلا بقدر تعلق تقنية  التناسل  بالخصوصية الفردية.

ولا نريد بذلك تعداد  النقاط السلبية للروايتين بقدر ما توضيح ـ من وجهة نظري الخاصة ـ ما أرادت هاتان الروايتان قوله فضلا عن مجالي نجاحهما وفشلهما في معالجتهما لأطروحتهما. في الوقت ذاته نود ان نبين انه من الخطأ تناول الأعمال الأدبية لمجرد أهميتها السياسية أو الاقتصادية وان كانت هي  من  الأدب السياسي.


1
 في تحليلهما لأثر التقدم العلمي على المجتمع  لم ترصد الروايتان سوى الجانب السلبي منه فصورا المخاوف الناتجة من بلوغ مثل هذا التقدم  واغفلا الجانب الإيجابي، بمعنى انهما لم يتناولا الطبيعة الثنائية له. وهنا نستعين  بالاقتصاد  الذي يمكن ان يوضح  هذه  الإشكالية وليبدد المخاوف التي تنتاب الناس من خطر التقنية كسلاح ذي حدين للإنسان-وحقا فهي سيد وعبد ولهذا قد يكون التقدم "التقني" رجعيا من وجهة نظر الحضارة. ويستطيع  أي اقتصادي أن يوضح لنا الوجه الخفي للتغير التقني بتحليل خمسة أمور هي : التأثيرات غير المنظورة ، الحدية ،  الربحية ، التأثيرات المتداخلة واقتصاديات المدى والمقياس.

نعلم إن أي تقنية جديدة ستدخل للسوق إذا تمكنت الشركة من بيعها بسعر مساوي  لسعر الكلفة أو أعلى منه ولكن في ظروف المنافسة تعمل الشركة على توسيع إنتاجها الجديد (ذي التقنية الجديدة)  إلى أن تتساوى الكلفة الحدية مع سعر البيع ولان المستهلكين لن يقبلوا على المنتج الجديد ما لم يدركوا انه يشبع رغباتهم لهذا ندرك ان التقنية في سعيها لشق طريقها للسوق بالطريقة التي وصفناها لهي دليل  بديهي على آن التقنية  هي "شيء نافع".

ولكن ما  يدحض الدليل البديهي هو ان البائع لا يأخذ بنظر الاعتبار التكاليف الإجمالية للمنتج التقني الجديد مما يعني ان صافي الفائدة الاجتماعية  للتقنية ستكون سلبية، بمعنى ،كما يقول اهل الاقتصاد، أن بعض التكاليف تكون غير منظورة إلا بعد الاستخدام  لنأخذ مثلا الطائرات فوق الصوتية العابرة للقارات نجد أنها تقلل زمن السفر ولكنها تولد مشاكل ناتجة من الاستخدام وليس من التقنية نفسها. و عموما يمكن القول  أن التأثيرات الخارجية للتقنية هي تأثيرات موجبة وهذا راجع إلى أن معظم الاختراعات التقنية تكون قابلة للتقليد ولان قوانين حماية الاختراع لم توفر سوى حماية محدودة ضد التقليد. وتجدر الإشارة إلى  إن  المنافع التي يجنيها المستهلك  من معظم الاختراعات التقنية بدءا من العقاقير وانتهاء بالتلفاز الملون تتجاوز العوائد التي تجنيها ا لشركات المصنعة.

يتحدد مستوى الإنتاج في السوق التنافسي  بتقاطع السعر مع الكلفة الحدية بمعنى إن المشتري الحدي  (الذي لا يدفع سعرا أعلى من الكلفة الحدية) سيوجه السوق إلى مدى معين مما ينتج عنه أن  يعمل الاختراع التقني الجاذب للمشتري الحدي  على التأثير على  رفاهية  المستهلك: وهذا نوع من التأثيرات الخارجية السلبية.

أما الربحية فتعني أن كل اوجه النشاط الاقتصادي يوجهها الكسب الفردي الخاص  اكثر منه الكسب الاجتماعي العام فيحدث ان التكاليف المرتفعة لا تزيد ثروة المجتمع بل انها تعيد توزيعها بين الافراد. ولهذا نجد ان كثير من الاختراعات التقنية تزيد تكاليفها دون ان تزيد صافي  المنافع الاجتماعية.وخير مثال هو الاختراعات المتعلقة بالآمن الداخلي والآمن الخارجي فنرى   ان سلاحا ذو قوة تدميرية فعالة يكون على حد سواء مفيدا للمجرمين ولرجال الشرطة وسيكون التأثير الوحيد لهذا الاختراع بعد حصول الطرفين عليه هو زيادة تكاليف الجريمة ومكافحتها.ويصدق  الشيء نفسه ،وان كان على نطاق أوسع، على الصناعات العسكرية  إذ أن "سباق التسلح" هو حقا  مثال تقليدي عن المنافسة العديمة الجدوى ؛ فكلا الجريمة والغزو يقتربان من كونهما نشاط اقتصادي يسعى للربحية. ولن  تكون التكاليف الداخلة في محاولة الحصول على فائدة تنافسية بتبني تقنية جديدة في المجال العسكري ، ذات جدوى   من جهة فائدتها للرفاه الاجتماعي، مالم تكون ذات استعمالات مدنية نافعة وهي تشبه الى حد كبير المنافسة في مجال الإعلانات التي همها الأول والأخير هو إبعاد المنافسين الآخرين وليس النفع الاجتماعي العام.

واحد أشكال سباق التسلح الذي عالجته الروايتان موضوع البحث هو الصراع من جهة من اجل الغزو ومن الجهة الأخرى لحماية الخصوصية.فمثلا، نجد ان التقدم في مجال الإلكترونيات  قد زاد من كفاءة المراقبة و الاستطلاع فضلا عن ان برامج الإخفاء الإلكترونية جعلت بعض الاتصالات خاصة جدا.

 وانه لحق ان الاكتشافات التقنية  تتفاعل وتتداخل  مع  بعضها البعض  او مع البنية الاجتماعية  للمجتمع لتولد نتائج بعيدة المدى غير منظورة قد تكون نافعة او غير نافعة وخير مثال  هو الحرب العالمية الاولى التي كشفت  القوة التدميرية غير المتوقعة للأسلحة  في ظروف التقدم  العلمي. وقد شغلت  مسألة تأثيرات  النتائج غير المتوقعة وغير المنظورة للتقنية حيزا في الدراسات التاريخية والاجتماعية والثقافية ، وهي مااشرنا اليه  بالتأثيرات الخارجية التي لم تكن متصورة وقت التخطيط والانتاج للتقنية الجديدة .رغم انه لايمكن تقويم  مثل هذه التأثيرات حتى بعد ظهورها. فإذا أخذنا على سبيل المثال التطورات في نصف القرن الأخير  كأجهزة ووسائل منع الحمل وتوفير الجهد وأتمتة كثير من الاعمال التي كانت تتطلب قوة جسدية وجهد عضلي ، نجد ان تفاعل هذه التأثيرات  كان السبب الى حد كبير في عتق المرأة  من  مكانتها السابقة في المجتمع وهو  انعتاق جلب معه مشاكل عديدة تمثلت بزيادة معدل  الطلاق ، وانخفاض معدل الزواج (وتأخر الزواج الأول)، وزيادة معدل الاجهاضات و كذلك  معدل الولادات خارج إطار العلاقة الشرعية، وانخفاض معدل الولادات  وزيادة مشاكل الخصب التي بدورها ادت الى زيادة معدل الاختراعات في مجال تقنية التناسل وتغيير عميق في أعراف العلاقات الجنسية وبضمنها التساهل والتسامح مع مسألة الشذوذ الجنسي. وصفوة القول  ان ايا من  نتائج هذه الاختراعات التقنية لم يكن معروفا مسبقا او متنبأ به فضلا عن ان تأثيره على الرفاهية الاجتماعية غير واضح  او في الاقل غير قابل للتقييس رغم انني  اميل  للاعتقاد انه ايجابي. ومن بين التأثيرات غير المقصودة للتطور التقني هو تأثير التقنية الطبية التي تزيد متوسط عمر الإنسان على  كلفة الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي وكذلك تأثير الأتمتة  والأجهزة الحاسوبية على المساواة في الدخل: إذ زادت اللامساواة  بزيادة الطلب على القوى المؤهلة علميا نسبة الى غير المؤهلين.  وهذه أمثلة حديثة لمشكلة قديمة1.

مما تقدم يتبين أن حالة اللايقين حول هل ان تأثيرات الاختراعات التقنية ستحسن ام ستدهور  الرفاهية الاجتماعية للبشر،  تقربنا من فهم الشعور الذي ينتاب  كثير من الناس  بخصوص  ان التقدم العلمي  التقني  هو خارج حدود السيطرة وقد يقودنا إلى مستقبل لا يكون خيرا من الحاضر. انه من الواضح إن  يبدو التقدم التقني في النصف الثاني من القرن العشرين لأولئك الذين عاصروه مؤشرا على إيجابية التوجه التقني من حيث انه جعل الحياة  اكثر أمانا وراحة و متعة  رغم أن ذلك لم يكن لجميع الناس حتى في المجتمع الأمريكي نفسه .ويجدر التنويه الى ان اقتصاديات التقنية الجديدة تحذر من التعميم ، اي امكانية  تكرار الاتجاهات النافعة للتقنية في المستقبل.

 تجدر الاشارة  الى ان ما ناقشناه حتى الان لم يرد مطلقا  في اي من الروايتين موضوع البحث،  لان ماأقلق مؤلفي الروايتين  أساسا هو ان التقدم العلمي وطرق واتجاهات  ادارة التقنية والتعامل  معها جميعا  قد تؤدي لاستئصال   المنافسة الاقتصادية( السوق) والمنافسة السياسية (حكم الشعب الديمقراطي) . ومرد ذلك الى اعتقادهما ( اي مؤلفيّ الروايتين) ، مثل كثير من معاصريهم، بان تطبيق الطرق الهندسية ( والتي تلخص المنطق العقلاني ،والمتضمنة التخطيط المركزي والمراقبة المركزية)   في الانتاج وعلى  البشر، ستكون اكثر كفاءة من آلية السوق وستعني  التحكم السياسي و الاقتصادي لنخبة التكنوقراط. ففي الميدان الاقتصادي ، كان مصدر القلق هو ان التقدم التقني بإحداثه   تغييرا ت  اقتصادية جذرية ، سيؤدي الى  توسع  حجم  الشركات ومداها وبالتالي فكل النشاط الاقتصادي قد يتم   على أساس الاحتكار والاستغلال.

و العلاقة بين التقنية والاحتكار معقدة للغاية، فإذا كان  الاختراع التقني محفوفا بخطر المجازفة،  فالاقدام عليه يكون قليلا   اذا تمكن  المتنافسون  من الاستحواذ على منافع التجديد . وهذا هو  منطق  حكاية براءة الاختراع والذي هو شكل من  اشكال الاحتكار والاستغلال. فالتقنية قد ترعى الاحتكار وتتبناه وفي الوقت نفسه قد تخفض تكاليفه  ربما بتقليل كلفة السيطرة والتحكم به.فمثلا،  ساد الاعتقاد  بان استعمال النظم الحاسوبية يسهل ويساعد في التخطيط المركزي لاقتصاد ما وقد  ثبت الان انها فعالة   في اختزال  الإدارة الوسطية  مقللة تكاليف السيطرة الداخلية للمنشأة الاقتصادية وبذلك تزيد افتراضا  عمر التحكم الفعال وبالتالي الحجم  الامثل للمؤسسة.ولكن على قدر المساواة يمكن للتقنية ان تسهم في تحبيذ اللامركزية بتقليل مثلا تكاليف المعاملات التجارية  بين  المؤسسات الاقتصادية المستقلة. الامر الثاني هو ان فرصة المؤسسات الجديدة( الصغيرة)، في  التجديد والاختراع التقني ، قد تكون اكثر من فرصة المؤسسات  الكبيرة وهذا بالتالي يحبذ  المنافسة على الاحتكار. و لم  يعد التساؤل فيما اذا كان التقدم العلمي التقني  يساعد  الاحتكار ام المنافسة تساؤلا نظريا بحتا بقدر ما هو  تساؤل تجريبي عملي ؛ اذ يبدو، خلافا  للمخاوف السائدة  أثناء عقود الثلاثينات والأربعينات ، ان المنافسة  اكفأ من التخطيط المركزي  فضلا عن انه كلما كان الاقتصاد  متقدما تقنيا زادت إيجابيات  المنافسة الاقتصادية ومنافعها.

اما من جهة علاقة التقدم التقني بالممارسة الديمقراطية فلم يعيقها اذ نرى انه قد ادى الى زيادة متوسط الدخل في  معظم الامم  لان الدخل   شديد الارتباط بالحرية السياسية اضافة الى  تأثيره  في تلك الحرية.لكنه في الوقت نفسه لايمكن تجاهل  احتمالية ان تهدد التقنية  الحرية  من  خلال تأثيرها على الخصوصية الفردية. لنتأمل البعدين الاساسين للخصوصية عند تمييزها عن الاستقلالية التي اصبحت الخصوصية مرادفا عاما لها في القانون الدستوري، إذ يتم وصف حقوق الحرية الجنسية و الحرية التناسلية على انها  بعدين  لحق الخصوصية. أما البعدين غير المستقلين للخصوصية فهما الوحدة والسرية والتي تكون تكاليفها الاجتماعية في النظام الاستبدادي باهظة . فالوحدة او  العزلة (لا بمعنى الانعزال المطلق بل بمعنى   توفر الحيز  الخاص الذي يسمح للمرء ان بفكر) يعزز المواقف والاتجاهات الفردانية بينما الوجود المستمر للاخرين  او مجرد الاحساس بالوجود تحت المراقبة المستمرة يعزز الخنوع والامتثال للامر الواقع. اما السرية  من حيث هي اخفاء المرء  مايعتقده او يكتبه او يقوله للاصدقاء او المقربين منه، فانه  يساعد على اخفاء التفكير والتخطيط المضاد  عن اعين  السلطات الحاكمة. وحقا فالتخطيط يتضمن الاتصال لغرض  تبادل المعلومات  اما التفكير المستقل الجدي فانه قلما ما يكون ممكنا   دون وجود من ينشره .وان الاتصال لتبادل الأفكار الخطرة هو بحد ذاته خطر ان لم تتوافر سرية الاتصالات فيه. فالعزلة اذن تخلق  الظروف الأولية للتفكير الحر بينما الاخفاء يخلق الظروف الاساسية لتهذيب ذلك الفكر ونشره. نجد  في كل من عالم جديد شجاع و1984، ان خصوصية مجتمعاتهما هي أدنى  مقارنة بخصوصية مجتمعنا بسبب تكاليفها  الاجتماعية الباهظة و ارتفاع  كلفة ادامتها بوساطة التقدم العلمي.

ويمكن اعتبار  كل من بعدي  الخصوصية سلعة اقتصادية   من حيث العرض والطلب لان كليهما، وعلى وجه الخصوص  العزلة ، سلع راقية بالمفهوم الاقتصادي للكلمة: لان الطلب عليهما يزداد بزيادة الدخل اذ يتباين سعر العرض بتباين مجموعة من العوامل الاقتصادية مثل سعر الارض اذ كلما كان السعر عاليا ارتفعت كلفة الخصوصية كعزلة.وفي حالة الخصوصية كسرية ،  فقد ارتفع سعر العرض  بزيادة التوسع  في خزن  واسترجاع البيانات الالكترونية  وخاصة بظهور (الانترنت)  ؛ اذ انه من المكلف  اخفاء اي بيانات مسجلة  سواء  اكانت  تتعلق بسجلات طبية، سجلات معاملات الشراء التجارية(المتضمنة معلومات عن المشتركين) ام وثائق سندات  الملكية . وبمعنى اخر انخفضت كلفة غزو السرية بظهور الثورة المعلوماتية. ومع ذلك  من غير المحتمل القول ان كمية السرية قد انخفضت  لانها اولا سلعة راقية ولان التقدم التقني يعزز حماية الخصوصية وغزوها. والفرق ان الناس الان  اكثر معرفة بالامور واكثر فردية واكثر اصرارا مما كان عليه اقرانهم  في زمن أرول و هكسلي. 

وتجدر الاشارة الى ان الخصوصية كسرية ليست سلعة خالصة صرفة  لاننا نجد  ان الزعامة السياسية الساحرة - الكاريزمية وهي  اخطر انواع الزعامات -  تعتمد على قدرة الزعيم على التحكم بما يملكه الرأي العام او الجمهور من معلومات عنه ، ففي حالة فقدان او افتقار القادة لهذه القابلية ـ بمعنى اذا فقدوا  خصوصيتهم ـ سيتلاشى الغموض المحيط بهم  وبالتالي  تتلاشى سلطتهم. ان التقدم التقني الذي جعل من كلفة احتفاظ  الاشخاص  العاديين بخصوصيتهم  عالية  هو نفسه  الذي  جعل كلفة اخفاء مساؤى اهل  السلطة عالية ايضا ؛ وبضمنها التجسس والتلصص على المواطنين. وصفوة القول:  يصعب تقييم   تكاليف إدامة  السرية  على الرفاهية الاجتماعية.

إن استعراض الجانب الاقتصادي لعلاقة التقدم التقني بالخصوصية لايعني بالمرة الاكتفاء بتصوير المشكلة بدلا من تحليلها لان علم الاقتصاد المعاصر  هو بحد ذاته شكل من اشكال الفكر التكنوقراطي  الوثيق الصلة بمجالات المعرفة التكنوقراطية الاخرى مثل علوم الاحصاء والهندسة والحاسوب وبحوث العملياتية.   ان التفكير الاقتصادي الحديث خصوصا في تطبيقاته على السلوك غير الاقتصادي  قد  نجح في تعريف الحداثة او التحديث وذلك بان اصبحت  كثير من نواحي الحياة والفكر البشريين تحت سلطة المنهج العقلاني ( وهذا مابكون قد اعتقده ماكس فيبر). وقد تأثر كل من أرول و هكسلي بهذه النظرية كما سنرى ولهذا نجد انها تستحق البحث في ضوء علاقة الروايتين بالتقدم التقني. وبدءا اقرر ان فقدان الكون لجماله الساحر  الذي توقعه فيبر كناتج ثانوي لانتصار المنهج العقلاني، يظهر في رواية أرول كحنين للقيم الرومانسية . اذ يمكن النظر لهذا الامر على انه من   التأثيرات الروحية للتقنية والتكنوقراطية المختلفة عن التأثيرات الاقتصادية والسياسية التي تناولناها حتى الان والتي اعتقد ان الاخرين قد اخطئوا حين اعتبروها جوهر نقد الروايتين للحداثة والتقدم.

 


2

لننتقل الان للحديث عن جنس السخرية وهو الجنس الذي تنتمي اليه الروايتان رغم ان عالم جديد شجاع هي اكثر تعبيرا من  1984 بهذا الخصوص. من المعروف ان السخرية هي جنس من الخيال الذي يجذب انتباه القارئ لمثالب مجتمعه خاصة او المجتمع الانساني عامة.وغالبا ما يتم تصويرها ووضعها بقالب خيالي ( كما هو الحال في كلاسيكيات هذا الجنس مثل رحلات جلفر) بعيد في  زمانه ومكانه او ثقافته عن عالم الساخر(والقارئ)  . ويصدق هذا على كلتيِّ الروايتين. ان حقيقة كون  زمن الروايتين هو المستقبل(600 و 35 سنة، على التعاقب) لايعني بالضرورة انهما محاولات للتنبؤ بالمستقبل بل هما نقد لاتجاهات منظورة في مجتمع الكاتب او تحذير منها.ففي كلتيهما، نجد ان تقنية المستقبل  هي استقراء صريح للتقنية السائدة ايام المؤلفيِّن.فالاستقراء هو المفتاح، اذ ينتقد الساخر الاتجاهات التعسفية في مجتمعه مقدما صورة تخيلية عن النتيجة المنطقية لتلك الاتجاهات. فالساخر هنا يستعرض(ولا يحاجج) المنطق الداخلي لاي اتجاه لايتفق معه في مجتمعه.

ومما يميز  السخرية ايضا هو ان الساخر يضع شخصيته في العمل، بمعنى اخر هو حضور شخصية الساخر في العمل _ المعلن عن المثالب التي يود الكاتب ان يجذب انتباه القارئ اليها والذي لايكون بالضرورة مطابقا لاهتمام المؤلف. وغالبا ما تكون هذه الشخصية  اكثر عبوسا وحدة من الكاتب، والتي(اي الشخصية)  تجسد احيانا  كثير من المثالب المعلنة. ففي رواية عالم جديد شجاع هناك شخصيتان ساخرتان _ الهمجي الشبيه بجلفر_ غريب و خارج عن   العالم المسخور منه وشخصية برنارد ماركس وهو من السكان القاطنين في عالم الرواية، وهو عبارة عن شخصية  ساخرة تقليدية غير متوافقة مع مجتمعه. في رواية 1984 الشخصية الساخرة هي ايضا  من سكنة عالم الرواية _ ونستن سمث _  هو ايضا غير متوافق مع مجتمعه ويتميز مثل   برنارد  بميله  للعزلة التي يعتبرها كلا المؤلفين  شرط لازم  و مسبق  للتفكير المستقل الحر؛ وهو قادر على الرؤية عبر الأكاذيب التي تغلف مجتمعه ولهذا يكون قادرا على فضحها والإعلان  عنها. ومصير الشخصيات الساخرة في كلتي الروايتين  هو مصير ماساوي _ الموت، فقدان الشخصية، او كما في حالة  برنارد ماركس، النفي الى ايسلاند _  وهذه الخاتمة هي مما تميز جنس السخرية.وكلتا الشخصيتان متواصلتان بالعالم الراهن الحقيقي من خلال اقتنائها  لبضع  اشياء او مواضيع  معروفة مثل نسخة الاعمال الكاملة لشكسبير التي يحتفظ بها الهمجي او ، في رواية ارول، التمثال  الصغير لاولفر كرمول، القهوة الملكية، الحلوى ذات الغلاف الفضي واشياء اخرى تركت من ماقبل الثورة الصناعية. تميل الشخصيات الساخرة لأن تكون رموز  وصور هزلية اكثر من كونها  شخصيات بشرية  ثلاثية الابعاد. اذ تعتبر شخصيتا  ونستن و جوليا(في رواية1984 ) هما  الشخصيات البشرية الوحيدة في كلتي الروايتين، على ان البعض يشك انهما حقا شخصيات بشرية.  وتميل السخرية الى ان تكون شديدة الارتباط بالواقع المحلي  وهذا مما يجعل من الصعوبة  محاولة فهم السخرية دون امتلاك  الوعي بحقيقة الظروف الاجتماعية في زمان   كتابة  النص الساخر ومكانه. والسخرية وثيقة الصلة بالتهكم ولفهمه لابد من فهم  الظروف  التي ولدت وانتجت التهكم وهي ظروف خاصة بمجتمع الساخر _ المتهكم وكمثال على ذلك فلاجل ان تفهم  عمل سوفت "عرض متواضع"  لابد من معرفة مواقف الرجل الانجليزي في القرن الثامن عشر عن أكلة لحوم البشر وعن الايرلنديين.

ويساهم تحديد جنس الروايتين  كثيرا في  إزالة  الالتباس وسوء الفهم الشائع عنهما والمتمثل :بان كاتبي الروايتين حاولا التنبؤ بالمستقبل وانهما كانا متشائمين (كما لو  كانا يريدان معاملتهما على هذا الاساس  لو اعتقدا انهما كانا يتنبئان المستقبل ) وان يتم تعريف هكسلي بالهمجي(ببرنارد) و ارول بونستن سمث.  من المعروف ان الكتابة في جنس ادبي معين يستدعي  تبني وامتلاك ادوات  ذلك الجنس ولايتطلب ذلك  الكشف عن   شخصية، عواطف او حتى معتقدات المؤلف. ولكن ، من خلال كل  مانعرفه عن ارول، فمن الواضح ان روايته  هي صيحة تحذير من الشيوعية وبخاصة  نموذجها الستاليني، غير ان هذا ليس بالضرورة هو الامر المهم جدا في الرواية لانه حذرنا من بين امور اخرى من  اتجاهات كان يراها كامنة في الرأسمالية.

 


3

تتميز رواية هكسلي بمضمونها التقني العالي مقارنة برواية ارول وليس هذا بالامر المستغرب اذا علمنا انه ينحدر من اسرة علمية عريقة وقد درس الطب بينما يفتقر ارول الى هذين العنصرين. و قد طغت في المجتمع الذي صورته رواية عالم جديد شجاع مسألة الاهتمام بالنظرة المستقبلية للتقنية التي برع في وصفها و تبيانها . وهي على ثلاثة انواع: اولا- التقنية التناسلية: فمنع الحمل اصبح مضمونا ولايتداخل مع المتعة الجنسية وهكذا اصبحت ممارسة الجنس معزولة عن مسألة الانجاب والعكس صحيح. اذ  تخلط البيوض و الحيامن داخل المختبر  لتوضع  بعد ذلك في حاضنات الى وقت الولادة. وقد ساعدت هذه الطريقة  علم تحسين النسل الى بلوغ درجة الكمال منتجة خمس طوائف او طبقات مختلفة وراثيا تترواح من طبقة الالفاس ذات معامل الذكاء العالي الى طبقة الابسلون ذات معامل الذكاء الواطىء ليلبي بالتالي حاجات  المجتمع  حسب المواهب الوراثية لافراده. 

ثانيا- تقنية تحوير العقل والجسد والتي تتضمن التنويم المغناطيسي اثناء النوم والاشراط البافلفي2 و الجراحة التجميلية واقراص السعادة (سوما الشبيه باقراص   Prozacلعلاج الاكتئاب ولكن تختلف عنها بانها تصرف دون الحاجة الى مراجعة طبيب وتؤخذ باستمرار من قبل الجميع). وبالنسبة للمتقدمين بالعمر فتوجد الهرمونات الجنسية و نقل الدم الشاب.

ثالثا- تقنية التسلية المولدة للسعادة والتي تتضمن  التلفاز والموسيقى التصنيعية والافلام التي تشبع الحواس الخمسة فضلا عن الطائرات المروحية الشخصية لطبقة الالفاس لقضاء اوقات الاجازات والعطل.

ولهذه التقنيات المذكورة اعلاه تأثيرات عميقة على المجتمع فمن جهة انها تستحث  الرضى الابله اللاواقعي المشتمل لممارسة البغاء الجنسي غير المثير لاحساس  الذنب ومن جهة اخرى تستحث الفراغ الفكري والسلبية الكاملة في الموقف السياسي فضلا عن تلاشي الزواج والأسرة والأبوة _ التي نظر على انها مصدر البؤس والإرهاق والألم. ولم تطرح أيا من هذه النتائج على أنها نتائج غير مقصودة للتحديث التقني وهي مصدر خوفنا من التقنية وهو خوف  يوحي علم اقتصاديات التقنية بوجود اساس عقلاني له. في  عالم  جديد شجاع،نجد أن  التقنية هي عبد لمذهب المنفعة. ففوق كل شيء اخر، فان رواية هكسلي هي مزيج مضحك من المذهب النفعي  : "فالطبقات الراقية....(يجب ان لا) تفقد ايمانها بالسعادة على انها السلعة  الممتازة وحملها على الاعتقاد بدلا من ذلك بان الهدف موجود في مكان ما خارج المحيط البشري الحالي؛ وبان هدف الحياة  و غايتها   هو ليس ادامة الرفاهية وانما تعميق الوعي وتحسينه وتوسيع افق المعرفة". لقد ساعدت التقنية على خلق الجنة النفعية والتي فيها تصل السعادة الى اقصاها وان كان على حساب اي شيء يجعل الانسان مهما.

الهمجي غير سعيد ولكنه مليء بالحيوية والنشاط  لان البشر المتحضر فارغ ابله .  يتمثل دور التقدم التقني بتوفير الظروف التي من خلالها تتمكن فئة النخبة من   التحكم المطلق بكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع تحقيق الغزارة في الانتاج المادي . وكان هذا هو صدى الاعتقاد خلال حقبة الثلاثينات في كفاءة التخطيط المركزي,  

ان  موضوع  السخرية الذي احسن هكسلي تصويره باستخدام الطبقات الذي هو بطبيعة الحال استهزاء صريح بنظام الطبقات الانجليزي  وبتقديم الهمجي وامه  للمجتمع اللندني المصدوم كعينات غريبة لهمجية العالم الجديد (رغم كونهما بالطبع انجليزيان)، يدعونا للتأمل بالظروف السائدة في انجلترا وقت كتابة عالم جديد شجاع. فقد سجلت الرواية اعماق الركود الاقتصادي العالمي الذي كان كينس يدرسه بانه نتج بسبب انخفاض طلب المستهلكين وكان علاجه الوحيد هو تدخل الدولة وبشدة.  لانه قد ساد الاعتقاد بفشل الرأسمالية  واخفاقها بسبب انعدام التنسيق أو الترشيد الكافيين والذي ادى الى  التنافس المفرط المحموم المدمر وان الرأسمالية (التنافس، السوق الحرة) فضلا عن كونها غير عادلة فانها غير فعالة وغير كفوءه. اضافة الى ذلك كان هناك قلق متزايد حول انخفاض معدلات الولادة وتدهور  نوعية البنية الوراثية للبشر.

وقد تناول هكسلي كل هذه الامور ، على ان احد اهم خواص المجتمع الذي صورته الرواية هو النمط الاستهلاكي الذي يشتمل على عقلية "التقطيع  افضل من الترقيع"3 . 

وقد تعرض الناس الى عمليات غسيل دماغ لطلب المزيد والمزيد من السلع فضلا عن طلب سلع جديدة لئلا يتراجع الطلب االاستهلاكي ويتناقص. وهذا مثال  يوضح كيفية تخطيط وتوجيه كل شيء من امور الفكر والتقنية والاستهلاك من الاعلى فنزولا الى ادق التفاصيل اما التربية باستخدام تحسين النسل فيتكفل بحل مشاكل السكان الوراثية. ان مجتمع عالم جديد شجاع هو نتيجة منطقية للاجراءات الاصلاحية التي  تبناها المفكرون التقدميون في انجلترا وبلدان اخرى اثناء فترة الكساد والركود الاقتصادي.  ان  وصول او بلوغ منطق نظام  اجتماعي قائم   حد  السخافة والتفاهة والقرف هو ما يميز المنهج الساخر او الطريقة المثالية عند اتباع السخرية(ويبدو ان هكسلي قد اخذ  واعتمد  القرف ) وسنراه ايضا في رواية 1984 .

و الحل الذي وصفه هكسلي لمشكل الركود انذاك ما كان ممكنا من دون استعمال التقدم التقني الذي هو عامل مساند اكثر منه عامل الشروع في الحل الذي هو من اختصاص اصحاب الرؤية الفلسفية والاقتصادية. وليس منطقيا القول ان التقدم التقني قد تطور ونشأ  بصورة غير مخططة للحد الذي جعل فيه من المجتمع المشتت  الذي وصفته الرواية   محتوما، اذ ليس هناك مجال لظهور  نتائج غير مقصودة وغير متوقعة  لان التقدم التقني يساعد ولكنه لايملي في العملية التطورية للمجتمع.

ان احد اسباب  تداول قراءة رواية عالم جديد شجاع حتى يومنا هذا راجع الى ان كثير من توقعاتها عن التقدم  التقني والاخلاق في المستقبل  قد تحقق او في طريقه للحدوث فمثلا  باختراع طرق منع الحمل  امكن اشباع اللذة الجنسية بامان  فضلا عن  سلسلة الانجازات التقنية الاخرى بدءا من توفير الرعاية الطبية للمرااة الحامل والاطفال  وانتهاء باجهزة تقنين العمل المنزلي والعلاج الطبي  للعقم وأتمتة المصانع التي  خلصت المرأة من القيود التقليدية المفروضة على حريتها الجنسية. وهكذا فقد توفر مناخ  للحرية الجنسية  ولانغماس الجميع بالجنس وبالمتعة الجنسية  الى حد كبير يشبه ذلك الجو الذي وصفته رواية هكسلي على الرغم من ان الأم ليست كلمة قذرة كما هو عليه الحال في الرواية ولم ينته ويتلاشى الزواج رغم هبوط معدله بصورة ملحوظة.

سيدهش مجتمع الماديين السعداء اللااباليين الذي صورته رواية هكسلي بعض القراء على انه مغالاة اكثر منه تحريف لوصف المجتمع الامريكي اليوم. "العالم مستقر الان والناس سعداء اذ يحصلون على  مايريدون ولايريدون مطلقا مالايستطيعون الحصول عليه. كلهم اصحاء معافين لايمرضون ابدا ولايخافون الموت ويجهلون المشاكل العاطفية والشيخوخة ولم تصبهم مشاكل الابوة او الامومة؛ بلا ازواج او اطفال او محبين يقلقوا عليهم واصبحت سليقتهم مشروطة ومتحكم بها  بحيث ماعادوا يتصرفون كما يجب  واذا ماأصابهم مكروه او ازعجهم طارىء فدونهم حبوب السعادة" . ونحن مهووسون ايضا بحبوب السعادة ، المشروعة وغير المشروعة ، التي  تكملها الجراحة التجميلية لتجعلنا اكثر رضى بمظهرنا. وتغمرنا تقنية التسلية من كل جانب لحد لم يتصوره حتى هكسلي نفسه. في مجتمعنا فالنظافة المفرطة هي قبل او اكثر اهمية من  النجاح الاقتصادي . يعترينا خوف الشيخوخة ولهذا نتصابى.   ويخضع الالفاس في سلوكهم لضوابط صارمة تحول دون  التعبير عن انفعالاتهم وعواطفهم  و  ذلك  هو سبب بذل الجهد الاستثنائي  ليكونوا قانعين. ان واجبهم ان يكونوا  اطفالا حتى لو كان ضد ميولهم. اننا نعيش الحاضر وقد يكون شعارنا ايضا: لاتؤجل متعة اليوم الى غد.  لقد طغت الثقافة الهابطة على الثقافة الراقية في كل مكان  ولقد تناسى الناس الماضي تماما. انه واجب علينا كما هو حق لنا ان نتعقب السعادة الى حافة القبر. ففي  "مستشفى بارك لن للموت...  نحاول ايجاد  وتوفير جو مريح.....، شىء ما بين فندق  من الدرجة الاولى  وقصر فاخر". لقد اتخمت ثقافتنا بالجنس واصبح التسوق هو مكان التنزه الوطني ورغم ان الامريكين ليسوا سلبيين تماما نحو السياسة الا اننا راضين و قانعين  بالوضع الراهن وتخلوا حياتنا من الحقد والحسد والضغينة والاحزاب السياسية الرئيسية هي نسخة من بعضها البعض  ولايخطر على بال معظمنا ركود عقد الثلاثينات بل ان الركود بكلتي معنييه غير وارد .وقد نكون ساعين، ولو ببطيء ،  نحو تنوع وراثي بين الطبقات كبير بطريقة  تختلف عن ما وصفه هكسلي وستصبح تلك الطريقة محتملة فبانتهاء وتلاشي طريقة الزواج التقليدي وانتهاء المحرمات ضد الزواج المختلط عرقيا ودينيا ، فسيمكن عزل وتصنيف الافراد الراغبين بالزواج  على اساس التشابه  الحقيقي في الصفات ومن بينها معامل  الذكاء الذي يتميز بوجود مكون وراثي مهم فيه ولهذا فالزواج التماثلي4 سيعمل على توسيع توزيع معامل الذكاء في اجيال المستقبل.

والملفت  للنظر هو ان كل هذه الامور تحدث (او في طريقها للحدوث)  دون تنبؤ بها او توجيه لها على عكس ماتضمنته رواية هكسلي. ويثبت اخيرا ان المجتمع يمكنه تحقيق الفوردية_ التقنين والمنهجية في الانتاج التي  كان يرمز لها اصلا خط التجميع_ دون الحاجة الى نظام السيطرة المركزية. وقد اخطأ هكسلي اذ ساوى بين الكفاءة والتنظيم التعاوني. فليس  لمجتمعنا  خطة مركزية نفعية ولا مخطط مركزي نفعي فلاشيء يقابل ويناظر "المراقبون" في عالم جديد شجاع ، وهم اخلاف المفتش الكبير في رواية  دستوفسكي: السعادة هي  السيد الاقوى _ بالاخص سعادة الناس الاخرين. وبرغم شبهه بدولة هكسلي اللامثالية ،فما يمتلكه مجتمعنا يبدو لمعظم الناس وبضمنهم المفكرين اقرب الى المدينة الفاضلة.

 


4

في العام  الذي انتهى فيه أرول من كتابة روايته 1984  وهو عام1948 (وكان قد بدأ كتابتها قبل سنتين) كان ركود الثلاثينات قد  انتهى وتناقص  قلق  تقنين الانتاج وتحفيز الاستهلاك وانشغل  أصحاب الوعي السياسي  بالمشاكل الناتجة من الحرب العالمية الثانية التي لاتزال ذكراها حية في الاذهان وبتهديد الاتحاد السوفيتي وقد كانت الافكار السوداوية الكئيبة والمنذرة بالخطر متناثرة في كل الرواية.ويمكن ملاحظة  ان العتمة والسواد الكئيبين الذي يغلفان لندن  1984 هما نفسهما  كأبة وعتمة لندن اثناء الحرب وبعدها وهو زمن شحة المواد والتقنين والترشيد وشحوب الحياة ونلحظ ايضا ان  الصواريخ التي كانت تنهال على لندن  1984 هي نفسها التي كانت تسقط في السنة الاخيرة من الحرب العالمية الثانية. وقد اسهبت الرواية وبافراط في تصوير مظاهر الحياة  في الدولة اللامثالية التي تخيلها أرول  مولدة بذلك تناقض حاد مع نعيم المستهلك في رواية هكسلي.  ولم يصور ارول لندن المستقبل بما يكفي لا لانه كان واعيا ومدركا لقصور الاقتصاد السوفيتي او التخطيط المركزي الاشتراكي عموما في توفير الرفاهية والغزارة _ وهو عضو امين لحزب العمال الى اواخر حياته اذ لم يتخلى مطلقا عن ايمانه بالاشتراكية الدمقراطية_ بل بالاحرى لانه كان حساسا مفرطا  لمعاناة حياة الطبقة المسحوقة في لندن ونسيجها. كانت  مشاعر أرول عن الطبقة العاملة في لندن  التي يبدو انه وجدها  منفرة وجاذبة، واضحة ومميزة بعمق.

ان مأخذ الرواية على التقدم التقني هو مأخذ دقيق وملفت للنظر فمن جهة عرض عالم 1984 على انه متخلف علميا وتقنيا وخير مايوضح ذلك هو انه عالم تحكمه القلة في ثلاث دول عظمى  استبدادية والتي اتفقت مرحليا لفرض رقابة فكرية صارمة على شعوبهم قاتلة بذلك  الروح الابتكارية. ومن جهة اخرى ، فان هذا التطور كان محتوما بسبب التقنية التي ساعدت ، بصورة انتاج الي ، على خلق الثروة بلا جهد (ضلال هكسلي) فعندما تكون الثروة غزيرة  يتوقف الناس عن الايمان بالحاجة الى مجتمع هرمي  تسوده اللامساواة والفروقات. ولا يجاد وخلق اللامساواة تسعى   الطبقة الحاكمة الى توجيه  فائض الانتاج المتولد بمساعدة التقنية  الى الحروب  التي  يكون الناس خلالها اكثر استعدادا وميلا للخضوع للسيطرة الجماعية . ومن هنا نجد ان التقدم التقني  يقود للاستبداد ولو بطريق غير مباشر اكثر مما يفترض انه يعزز المركزية على كل الاصعدة بسبب كفاءة الطرق التكنوقراطية(التي  اعتقدها ارول ايضا كما سنرى لاحقا).

ان رواية  1984 محقه في تأكيدها بان ظروف المجتمع الا ستبدادي وبالاخص قهر حرية الفكر والبحث والاتصالات تضر وتعيق التقدم العلمي وهذا(سبب اخر للتشكيك  بان التقنية تقود الى الغاء الحرية السياسية) احد الدروس المستقاة من سقوط وانهيار  الشيوعية _ اذ نعلم الان ان معظم النجاح التقني الذي حققه الاتحاد السوفيتي في مجال الصناعات العسكرية وهو المجال الوحيد  الذي حقق فيه هذا النجاح، كان بفعل التجسس .  اما النصف الاخر من الأطروحة التقنية للرواية فهو خاطئ تماما اذ ان زيادة الثروة المادية في البلدان  المتقدمة منذ ان كتب  أرول روايته كانت السبب  في عدم المساواة الاقتصادية والاستقرار السياسي الكبيرين.

 في تقديمه لطبعة 1961 من الرواية، كشف أرك فروم سذاجة الافتراض القائل بان النمو الاقتصادي يقود الى  حدوث الكابوس الذي صوره ارول ؛ اذ يعزي فروم الى ارول وجهة النظر القائلة (والتي يتفق معها فروم): ان خطر(كابوس ارول) كامن في  الانماط الحديثة للانتاج  والتنظيم  المستقلة نسبيا عن المعتقدات المختلفة (يعني الرأسمالية والشيوعية) . ويبدو صحيحا تقريبا   عزو وجهة النظر هذه  الى ارول  _ او بدقة الى المؤلف الضمني لرواية 1984 اذ انه من المحذور والخطر فهم و تفسير اراء المؤلف الشخصية من مجرد قراءة كتاباته التخيلية _ . (واحد التلميحات هو ان عملة اوسيانا هي الدولار وليس الباون).

 ومن بين المصادر التي اعتمدتها الرواية  هو المفهوم الذي كثر الحديث عنه  والترويج له والمبالغة فيه زمن ارول  وهو الادارية التي تنبأت خاطئة ان الرأسمالية ستتحول   الى نظام اقتصاد  مركزي بيروقراطي  لايختلف عن النظام الشيوعي السوفيتي. ويبدو ان كفاءة  الاسواق التنافسية  في تنسيق الانتاج لم تكن مفهومة فهما كافيا.

و التحديث التقني الوحيد الذي امتازت به رواية ارول هو التلفاز ذو البعدين (الشاشة التلفازية) الذي بوساطته تتمكن  سلطات الامن من مراقبة اعضاء الحزب رغم احتوائه على امور التسلية كالموسيقى والشعر.(وهو شبيه بالاجهزة المستخدمة في تصوير المؤتمرات  المغلقة) . وتمثل الشاشة التلفازية   رمزا قويا معبرا   عن فقدان   الخصوصية في الدولة الاستبدادية ولكن اقحامها بهذا الشكل  لم يكن برايي ضروريا لعرض المغزى السياسي للرواية وهو :  كيفية امكانية التحكم بالفكر عبر الدعاية والتعليم  والاساليب النفسية (وبضمنها تحوير السلوك) والمخبريبن (وبضمنهم الاطفال) والرقابة والاستئصال   وتسعير حمى الحرب والارهاب  وفوق كل ذلك التلاعب بالسجلات التاريخية وباللغة. واحد مظاهر الرواية  المثيرة  والممتعة هي نيوسبيك وهي تهكم واستهزاء باللغة الانجليزية  وبالمنهج الخطابي للنازية وللشيوعية المصمم لجعل الافكار الخطرة غير واردة على التفكير  وذلك بحذف الكلمات التي  تمثلها..لم تتضمن اي من ادوات التحكم بالفكر المذكورة في الرواية،  باستثناء  الشاشة التلفازية واحتمالا الة  الاستئصال التي تستقطع اجزاء  من ذاكرة ونستن، اي تقدم تقني على زمن ارول (كما يؤكد هو_ انها جزء من مأخذه  على التقنية) .  وقي الاتحاد السوفيتي في الثلاثينات والاربعينات كانت كل هذه الامور مستخدمة  ماعدا   الشاشة التلفازية والة الاستئصال وان كان على نطاق اضيق مما وصفه ارول. وواقعا فالرواية بدون الشاشة التلفازية ستكون اقل روعة وشدا ولكن بدون ان  يؤثر ذلك على بنائها العام.

ولان المنظور المستقبلي في الرواية لم يكن عميقا فلهذا لم يجد مبررا لوضعه في المستقبل البعيد  بل انه استقرئ وبتواضع  الظروف المعاصرة له ويمكن للمرء ان يتخيل القادة السوفيت يقرؤن روايته للبحث عن افكار تعينهم وتفيدهم. واذا نظرنا الى رواية هكسلي  سنجد بما يكفي للتعجب بان لهوه ونزهته في  المستقبل  البعيد يقترب من وصف عالمنا.والسبب هو ليس انه كان  بامكان هكسلي رؤية المستقبل (فلا احد يستطيع ذلك) وانما الامر يتعلق بان  العلم هو محور اهتمامنا في هذا العصر  وان هكسلي كان مولعا حقا بالعلم وتعكس روايته اهتمامه وولعه الشديدين به. ورغم ان النمط السوفيتي لغسيل الدماغ كان له تأثيره الملحوظ بلاشك على عقول شعوب البلدان الشيوعية ، الا ان سرعة انهيار المعسكر الشيوعي (كوبا و كوريا الشمالية فقط تمثلان اليوم نظم شيوعية حقة) بين قصوره وعجزه في النهاية. ويبدو معقولا مزيج التقنيات  الموصوفة في رواية ارول  وهذا راجع الى   قوة التصوير الفني عند ارول .ولم يكن  النظام الذي وصفه  ممكناعمليا اذ يكفي ان نسأل من يدير ويشغل كل هذه الشاشات لوجد  اعداد كبيرة منها في كل غرفة ودائرة يشغلها اعضاء الحزب الذي يصل عددهم الى45 مليون تقريبا  لانه حسب ماتقوله الرواية ان 15 % من سكان اوسيانا الثلاثمائة مليون ،  ينتمون للحزب. وان كل هذه الشاشات تشغل يدويا فلنفرض ان هناك  مائة مليون جهاز فهذا يتطلب عشرة ملايين مراقب ؛ وهذه اشارة الى عنصر الفنتازيا في الرواية وهو ضروري لفهمها كأدب.

ويعبر نظام مراقبة الفكر الذي وصفه ارول ( بلا وجود لنظام المراقبة التلفازية غير الممكن عمليا في ذلك الوقت)  بلا شك عن النظام السوفيتي زمن ستالين والذي بدأ  بالتأكل يعد وفاته   بفترة قصيرة، وبعد اربع سنوات من نشر رواية ارول وحتى في عهد ستالين لم تكن سيطرة الحزب على الرأي العام كاملة، اذ  نعرف ان موقف المواطن السوفيتي انذاك هوالسلبية في داخل قرارة نفسه  رغم الامتثال الظاهري. ربما كان عند ارول تصور بسيط عن هشاشة التحكم بالفكر وكان  85 % من سكان اوسيانا تتألف من الطبقة العاملة الذين يشبهون الطبقة الواطئة  في رواية هكسلي  باستثناء ان غباء العمال ليس  موروثا ويمكن الانعتاق منه. فلأنهم بلا عقول،يكون العمال محصنين ضد غسيل الدماغ ، كما هو حال  جوليا غير الذكية.اذ ان معظم عمليات غسيل الدماغ توجه لاعضاء الحزب والتي لايكون  نصيبها النجاح التام اذ نكتشف في اخر الرواية ان ونستن و جوليا هما ليسا الوحيدين من اعضاء الحزب غير المروضين تماما ومن هنا نفهم  عمليات التصفية التي تمت لاعداد كبيرة ،كما هو عليه الحال  في زمن ستالين، من المخلصين من اعضاء الحزب وبالاخص اللغوي سايم.

والاهم من ذلك ان قيادة الحزب العليا _ وهي تشكل 2 %  من مجموع السكان _ تضم  اولئك الذين يرون من خلال الكذب انهم يحاولون قهر بقية المجتمع. فلأعضا قيادة الحزب، كما هو حال حكام الاتحاد السوفيتي،  متاجرهم الخاصة التي تمتلىء بالبضائع الفاخرة النادرة المتداولة بين الطبقة البرجوازية. وتنكر الرواية ان تكون القناعة او النفاق  قد اضعفت  تطرف  اعضاء قيادة الحزب محاججة ان القيادة عبر وسيلة او طريق  التفكير  المزدوج (اي الاعتقاد بفكرتين متانقضتين في وقت واحد)  يعلمون  وفي الوقت نفسه لايعلمون ان عقيدتهم باطلة وزائفة. وحقا كان هذا  خاصية الفكر في ظل النظام الشيوعي  غير ان الرواية تبالغ  في كفاءته ودقته.

يبدو ان ارول قد ادرك ان نظام التحكم بالفكر سيكون غير مستقر اذا بقيت الامم الكبرى  خارج المحيط الاستبدادي  وقد اكدت الرواية عدم وجود مثل  هذه الشعوب في 1984 غير ان هذا ليس توازنا معقولا _ ومرة اخرى يبدو ان لارول معرفة بسيطة  او غامضة لانه لاحظ ان الدول الثلاث العظمى اتفقت مرحليا للامتناع عن التنافس في البحث العسكري. اذ بدون هذا الاتفاق فسيكون حكم الاقلية الاستبدادية  غير مستقر لان لكل دولة حافز لجني  التفوق العسكري وذلك بتحرير رقابة الفكر بما يكفي لتعزيز الاختراع العلمي والتقني. ونعرف ان الامم الحرة كالولايات المتحدة    اقوى عسكريا وسياسيا من الامم الاستبدادية لانها توفرالظروف اللازمة للنمو الاجتماعي والاقتصادي  السريعين  اكثر مما توفرها لمواجهة  فقدان التحكم والتوجيه المركزيين. و احد نقاط ضعف  الدول الاستبدادية هي اللاموضوعية  والتي ركزت عليها الرواية كثيرا  لان الحقيقة هو ان مايقوله الحزب او القيادة  هو الصحيح.  وقد قادت اللاموضوعية الى كوارث مدمرة وكمثال على ذلك نظريات لسنكو5  الوراثية ووالوثبة الكبرى للامام في الصين.

 لم يستطع ستالين ولا ماو وهما ممن مارسا التحكم بالتفكير من النوع  الذي وصفته الرواية  من اضفاء الصفة الدستورية لنظام التحكم بالفكر والذي انهار مباشرة بعد موتهما لان استبدادهما كان فرديا بينما ذلك الذي وصفته الرواية هو من النوع  الجماعي وهذا يؤكد ان كابوس ارول غير مستقر. الاخ الكبير ليس شخصا  حي بل هو رمز.نجد ان القيادة الجماعية التي جاءت بعد  ستالين و ماو كانت قيادات استبدادية غير انهما لم يكونا قادرين على الحفاظ  بممارسة درجة التحكم التي مارسها ستالين وماو والتي سخرت منها رواية 1984 . لم يوضح ارول كيف استطاع الحزب  ونظراؤه في الدول العظمى الاخرى  ان ينجحوا في ادارة هذه المسألة.

ان المعنى السياسي في رواية  1984 هو  لوصف   وبوضوح دقيق منطق الاستبداد _ وليس ممارساته او مظاهره المستقبلية  بل حمل ونقل المنطق الداخلي للاستبداد الى حدوده القصوى والمتطرفة التي تكون احيانا هزلية رغم ظلاميتها وكمثال لذلك هو استبدال عدو دولة اوسيانا من اسستاسيا الى  اوراسيا في اليوم السادس من اسبوع الغضب (تلميح الى المعاهدة النازية السوفيتية عام  1939)؛  اذ  يتم تسليم خطيب من القيادة قصاصة ورقية  في منتصف خطابه وبدون ان يفقد  ايقاع الخطابة واصل الكلام مستبدلا استاسيا بدل اوراسيا اينما وجدت الاخيرة في النص المكتوب لديه.

ومن الطبيعي ان يبالغ المثقفون ومن بينهم ارول  نفسه ( الذي يمقت المثقفين اذ يقول انه كلما كان المرء اكثر ذكاء كان اقل عدالة وحصافة) في كفاءة محاولات غسيل الدماغ لانه يمكن القول عموما ان المثقفين هم ممن يساهمون في عملية غسيل الدماغ فضلا عن كونهم من  اهدافها   الرئيسية. من الجدير ملاحظته ان  ارول فهم او حمل المعنى السياسي للتلفزيون للوراء لانه  اعتقد انه وسط للمراقبة(الشاشة) وغسيل الدماغ ( دقيقتان من الغضب) وقد ثبت انه وسيلة للقهر والاخضاع  فضلا عن تيسير حصول الناس للمعلومات عن المجتمع والسياسة. اذ ساهم التلفزيون في انهيار الشيوعية  وقبل ذلك اعاق محاولة ليندن جونسون لاعلان الحرب في فيتنام دون موافقة الشعب الامريكي.

ويرى بعض الدارسين لسيرة حياة ارول ان مااراد ارول إيصاله لنا عبر روايته هذه هو ان هناك في هذا العالم المتحضر لابد من وجود مجال للأمور الصغيرة التافهة التي ليس لها علاقة بالسلطة  بقدر علاقتها بوجود الانسان للتعبير عن  انفعالاته والتي يرى المثقفون ان لاوقت لديهم لمثل هذه الامور التي تشكل نسج الحياة الحقيقي. ويردف  نفس الدارس قائلا يرى القراء سقوط ونستن ولكنهم يرون ايضا  كيف انهار مجتمع باكمله قبل 1984 عندما سمح افراد ذلك  المجتمع للدولة ان تجردهم بصورة منتظمة من حقهم بالتمتع بالامور التافهة  وانفعالاتهم وان تجردهم من لغتهم الغنية لتحل محلها لغة نفعية قبيحة وان  تنكر عليهم حق التمتع بملذات الخصوصية في الحياة. غير هذا غير صحيح لان الرواية لم تلوم الناس على ذلك فضلا عن ان الرواية لم تتحدث عن منشأ السلطة الاستبدادية في اوسيانا; فهل لنا ان نلوم الشعب الروسي على الاستبداد الشيوعي ونحن نعلم ان لينين استولى بانقلاب على السلطة وان ستالين حقق السيطرة الكاملة  باستخدام الارهاب، اماالامر الثاني فهو ان نيوسبيك ليست سوى مشروع ولم يفلح في استبدال اللغة الانجليزية حتى داخل  الحزب. الامر الثالث هو عدم وجود مايوحي بان الانفعالات  والامور التافهة تقود للحرية اذ يرى هكسلي انها بالعكس طرق  تقود الى نوع من العبودية.

ويضيف الباحث قوله ان ارول يسعى ان يخبرنا  انه لاجل صيانة الحرية السياسية لابد من وقت للحب  لانه لوسألت نفسك من هو "الحزب" الأخر ممن يتحكم بالفكر يعطل الجنس بين  أعضاء الحزب ( ويؤكد الحزب في رواية ارول   في تعاليمه ان الوظيفة الاساسية للجنس هي الإنجاب فقط) وسيكون الجواب هو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية التي استعار منها الحزب الشيوعي السوفيتي بعض ادواتها فالكنيسة مثلا كانت تدعو للحب وفي الوقت نفسه تمارس في اديرتها التعذيب وحرق الناس. ويرمز ارول الى ذلك في روايته الى وزارة الحب التي هي مكتب التعذيب والتصفية.

و يمثل الاعتراف في الممارسة الكاثوليكية  اداة من ادوات مراقبة افكار الناس ومساواتها التفكير الشاذ السيء بالممارسة الشاذة السيئة فمثلا التفكير بالزنى هو خطيئة اخلاقية كارتكاب الزنى بعينه. والامر الاخر هو ان القساوسة  مثلهم مثل الشرطة في رواية ارول مسؤولون عن مراقبة الفكر وارتباط ذلك بمقت الجنس لان المتعة الجنسية تتضمن افكارا تكون من حيث التحكم بها جزء من طبيعتنا الحيوانية اكثر مما تكون جزءا من طبيعة طبقة الكهنه الذين يخبروننا ماذا يجب علينا ان نفكر به.  "إن  الغريزة الحيوانية هي القوة التي ستمزق حزبنا الى أوصال ".   ونرى في هذا الصدد ان 1984 على العكس من عالم جديد شجاع حيث البغاء هو امر لازم واجباري للمواطنين الجيدين.

ان التناقض بين وجهتي نظر هكسلي و ارول حول الاثار السياسية لاعراف المجتمع الجنسية تبين عدم وجود مأخذ واحد للسلطة الاستبدادية حول الحرية الجنسية. لان اي نوع من انواع العلاقة الحميمة  يمثل تهديد  للمجتمع الاستبدادي الذي يسعى لتعبئة الناس لبرامج جماعية والمسألة  اذن ماهي السياسة الواجب تبنيها  لكسر اواصر العلاقة الحميمة بين الافراد؟. في كلتي الروايتين نجد ان المجتمع عدو للاسرة التي  نجدها  قد تلاشت في عالم جديد شجاع بينما في 1984 ان الغاء الاسرة هو احد اهداف الحزب على المدى  البعيد والتي تتم  جزئيا عن طريق تهذيب النظام الذي بواسطته يتم تشجيع الاطفال بالقيام بدور المخبرين عن آبائهم.

يبدو ان مسألة الجنس هي قضية جانبية في تحليل الاستبدادية ولكن الفكرة هي ان الفرد يكون دائما تحت المراقبة وهو امر اساسي في المسيحية؛  فالمسيحي يكون دائما تحت مراقبة  الرب  بصورة مشابهة لسكان  اوسيانا من قبل الاخ الكبير  الذي يشبه الرب المسيحي من حيث انه معصوم وقدير.......  الذي لم يره احد، لانه صورة على الجدران وصوت في الشاشة؛ وانه لن يموت ابدا ولايعرف على وجه التحديد زمن ولادته وهو الزي الذي يختاره الحزب ليعرض نفسه للعالم. ووظيفة الاخ الكبير هي العمل كنقطة  تركيز للحب والخوف  والعبادة(التوقير) وهي كلها مشاعر  يستشعرها الانسان نحو فرد وليس نحو منظمة.

وتمثل محاكم التفتيش التطرف المرضي  في المسيحية لما يسميه ارول  جريمة الفكر ، فالمحقق العام في رواية ارول  يصور اعمال وزارة الحب على انها  تكميل لمحاكم  التفتيش. "اننا لاندمر الهرطقي لانه يقاومنا ومادام كذلك لن  ندمره بل نحوله ونغيره فنمسك بعقله الباطن ونعيد تشكيله . نحرق كل شيطان وكل وهم فيه؛  نكسبه لجانبنا ليس بالمظهر بل بالقلب والروح. نجعله واحدا منا قبل ان نقتله.... وفي الوقت الذي نكون قد انهينا معهم(الخونة الثلاث) كانوا قشور وهياكل ليس الا، اذ لاشيء بقي عندهم سوى الاسف والحزن لما ارتكبوه ، والحب للاخ الكبير. ....وتوسلوا ان يطلق عليهم الرصاص  لكي يموتوا وهم مرتاحي البال والضمير."

ان التشابه بين الممارسة الاستبدادية  في 1984 والممارسة الكنسية الكاثوليكية ليس للحط من شأن الاخيرة بقدرما اثبات ان ممارسة  غسل الدماغ ليست جديدة  بل قديمة. ان ماتبقى موضوعا يقلق عالمنا، وهو مالم تعالجه بعمق اي من الروايتين، هو النوعية الرهيبة للتقدم التقني  التي لايمكن افتراضه انه يعمل  اليا لمصلحة الانسانية.

 


5

كيف يمكن تفسير  كون رواية ارول اكثر شعبية من رواية هكسلي؟ يكمن جزء من الجواب  في انها قد تكون افضل من رواية هكسلي لانه بتلاشي وزوال مغزاها السياسي  تصبح قيمتها الادبية اكثر شفافية ووضوحا؛ اذ نستطيع ان  نراها اليوم بصورة افضل من حيث كونها قصة مغامرة حية تنبض بالحس العاطفي والقلق ومن حيث المكان  يمكن اعتبارها ميلودراما او حتى  قصة مغامرة طفولية.وخاصة عندما ينشد اوبراين و شارتون  اناشيد الطفولة او عند رؤية شارتون بلا قناع  والذي يضفي عليه عمرا اكبر  من عمره.  وتحمل المشاهد في دكان شارتون  بصمات رواية الوكيل السري بينما زيارة ونستن و جوليا الى شقة  اوبراين للاستقصاء عن  الاخوة غيرالموجودة. والنغمة الساحرة واضحة منذ الجملة الاولى في الرواية :كان يوما باردا صحوا من ايام نيسان وكانت الساعة تشير الى الثالثة عشر. وحالا نكتشف انه ليس امرا عجيبا ان تشير الساعة الى الثالثة عشر في اوسيانا لان هذه الدولة تستخدم نظام العد من 1 الى  24 وهو اسهل  من نظام قبل وبعد الظهر، مثلما  تستخدم الدولارعملة لها  بدلا من العملة الانجليزية  السائدة ايام ارول فضلا عن النظام المتري في القياسات والاوزان.  وتبدو هذه القياسات البسيطة والمعقولة  انها غريبة ومخيفة بطرقها الخاصة لانها تمثل وتصور جهد الحزب لافراغ الثقافة من جذورها التاريخية ولقطع صلة الحاضر بالماضي.

ولو نظرنا الى صلة المعنى الادبي للشاشة بالتقنية او الخصوصية لوجدناها اضعف من صلته بتهويل خطورة علاقة ونستن بجوليا والحاجة الى اخفاءها وحتمية  كشفها والعقاب المرتقب . وكانت  حالة الترقب  متوترة جدا الى حد مشهد القاء القبض ، اذ نرى هبوط مفاجىء في القيمة الادبية للرواية وهو يمثل ثلث الكتاب المتبقي . وحقيقة فباستثناء المشهد ماقبل الاخير _ اللقاء الاخير  بين ونستن و جوليا وافتراقهما_ فقد بدا الجزء الثالث  لمعظم القراء و لي ايضا، اقل حبكة و قيمة ادبية من الثلثين الاوليين  اذ لم يحسن سبكه. والمشكلة انه لم يكن نصا ارشاديا تعليميا لان الجزء الوعظي في الكتاب هو المتعلق بالنص المسهب من  كتاب  "الاتجاه  التعاوني في دول حكم الاقلية:نظرية و ممارسة" الذي كان يقروءها ونستن (كما لو كان يقرؤه لنا ) قبل القاء القبض عليه وعلى جوليا. و كان للقراءة تأثير  دراماتيكي رائع.  لقد اراد المؤلف من اول جزء من  مشهد مابعد القاء القبض ، حيث ونستن في الزنزانة مع معتقلين سياسين اخرين ، ان يكون مرعبا ومخيفا ولكنه نجح في ان يكون مقرفا . و يبدو مشهد دخول برسنس الذي يفتخر بابنته ذات السبع سنوات  والتي كانت السبب  في دخوله السجن،  تافها لامعنى له. ويصدق الشيء نفسه على المشهد الذي يتم فيه تهديد ونستن بالفئران فيصرخ : افعليها ياجوليا! افعليها ياجوليا! كما ان الجملة الاخيرة من الرواية _ أحب ونستن الاخ الكبير_ تبدو لي ايضا مصطنعة .

ومن الغرابة، ان نجد ان الجزء الاخير من الكتاب ، رغم وضوح الاهداف السياسية لارول، يقلل من هجاء الشيوعية حين يجعل الطغاة  الاستبدادين يبدون رحماء احيانا مقارنة باوبراين الذي بقدر ما فهمه القارىء من خلال ما طرحته الرواية ( لاننا نراه من خلال عيون ونستن ) ساديا مريضا. كان هتلر وستالين قساة ومصابين  بجنون العظمة  ولكن ماكان بوسعهما القول او حتى التفكير بالقول بان التقدم في عالمنا سيكون تقدما نحو معاناة اكثر او اننا سنجتث الشهوة الجنسية. لقد بولغ فيه الى حد التفاهة (رغم انه يعيد صدى نبرة الزهد في المسيحية وهو دليل اضافي على العلاقة التي  تروجها الرواية  بين الكاثوليكية والاستبدادية ). وهكذا هو اصرار اوبراين على اقناع ونستن انه اذا قال الحزب ان 2+2 =5 ، فان الامر هو  كذلك. ان ذلك المشهد، وهو تلميح ضمني  الى الخطة الخمسية الاولى في الاتحاد السوفيتي، هو  خطأ اخر في الحذقة الادبية.  اذ يصور اوبراين وكأنه معلم مزعج يحاول حشو قواعد الحساب في دماغ تلميذ بليد، وليس جلادا  يمارس للتعذيب. والمشكلة الاساسية هي انه لم يتم تحقيق اي غرض سياسي من لعبة القط والفار التي مارسها اوبراين مع ونستن و جوليا اللذين ليس لديهما اي معلومات ذي قيمة تذكر عن الاخوة (التي يحتمل عدم وجودها) ام انها كانت __اي ممارسة اوبراين ‍_ مهمه لاجل اعلان براءة علنية من الهرطقة. ولم يكن احدا منهم من القيادة اذا تجاوزنا عن ذكر انهما من الثوريين القدماء والذي يكون ترويضهم ضروريا لضمان صورة الحزب المقتدر والمعصوم.

و الخلل الاساسي في شخصية اوبراين_ وليس مصادفة الابتعاد عن الصورة الحقيقية للاستبداد _ تصويره على انه لايخاف ولانه لايخاف فتبدو معاملته لونستن سخيفة: لسبب بسيط هو ان دولة يقودها ساديون لن تكون دولة مستقرة ومتوازنة. ومن المعروف ان اعضاء الحزب القياديين يتصفون بالفظاظة لاجل ان يحافظوا على مواقعهم ، فهم يخافون رؤسائهم ومنافسيهم وحتى انتفاضة الشعب ؛ ولكن ما كان اوبراين بخاف ايا مما  اوردنا.

وكل هذه هي دقائق وتفاصيل لان ماأريد ان  ابينه هو انه يمكننا ان نبتدئ قراءة  رواية ارول  مثلما نقرأ كافكا ، او الارض اليباب، التي تشترك معها 1984 ببعض الاواصر من  نبض رؤاها الظلامية  الكابوسية التي  يخفف وطأتها الومضات اللاهبة المؤثرة لامكانيات الخلاص.  وبقراءتها كأدب (مع وعينا بنواقصها الادبية) نقاوم تسييس كل شيء كما حاول ارول مقاومة الاتجاه التي اضر بقسم اللغة الانجليزية، كما نقاوم في الوقت نفسه اختزال الرواية الى مجرد توثيق  لحياة المؤلف.

 ان اتباع  المنهج الجمالي في تقويم  الادب وعدم النظر  للاعمال الادبية على انها أعمال للفلسفة الاخلاقية او السياسية ، لايعني تجاهل  قراءة المضمون النصي ، لان الفهم العميق للمضمون الاجتماعي للنص  امر لازم احيانا لادراك وفهم  بواطن السخرية وكمثال على ذلك  هو جهد ومحاولة اوبراين اقناع ونستن ان 2 +  2 =5 .   ولكن ان فهم الامور السياسية والاجتماعية كشرط مسبق لتقويم العمل الادبي هو شيء، و الافتراض بان اهمية ذلك العمل تكمن بارتباطه بتلك الامور هو شيء اخر. وهذه الامور ليست هي المسألة بقدر ماهي المادة الخام التي يعتمدها الخيال لينتج الجمال.

ومن المدهش ، عند تناول هاتين  الروايتين بعيدا عن  التصورات المسبقة غير الادبية بقدر الامكان  نكتشف فيهما  سخط عميق ورومانسي من الحياة المعاصرة اليومية. لرواية عالم جديد شجاع مظهر براق وسخرية نابضة بالحياة تربطها بالتقليد البريطاني الفكاهي ولكنها كتاب غير سعيد فشخصياتها لاتجذب تعاطف القارىء وينقصها العمق العاطفي لانها اظهرت ان  غزو العلم للواقع المأساوي للحياة البشرية كما نعرفه الان يدمر الامكانيات الرومانسية. وعلى العكس من ذلك ، نجد في رواية ارول تمجيد واثارة  لقضية الحب،  التي هي الجوهر العاطفي للرواية، سويا مع الخوف والموت. فجوليا ليست جميلة ولاذكية بل في الحقيقة ضحلة اما ونستن فجسمه الشاحب النحيل  واوردته المنتفخة واسنانه الخمس  الكاذبة تدل انه في خريف عمره. وعلاقتهما _ مثل علاقة جوردن وماريا في لمن تقرع  الاجراس او فردريك وكاثرن في وداعا للسلاح ، واندريه وناتاشا في الحرب والسلام ،وجوليان سورل ومدام دي رنال فيالاحمر  والاسود _ ستفتقد نكهتها لولا الخوف والخطر وحتمية وقوع الكارثة. وحبه  لجوليا هو اخر  شيء يتخلى عنه ونستن تحت التعذيب. ان عالم اليوم الذي جعلته التقنية (التي تنبأ بها هكسلي) مريحا وامينا، لامكان فيه للرومانسية وبلا روعة. ان كون جوليا شيء عادي ومبتذل ليس، كما تعتقد بعض الحركات النسوية، علامة لكره المرأة بل انها جزءاً من قصد الرواية ( وقد بالغوا  بشجاعتها).

ومن هذا المنظور نجد ان مغزى   الاشياء الصغيرة التي يشتريها ونستن من دكان شارتون ليست رمزا لسحر  الشيء العادي ولجماله بقدر ما تبين وتوضح ان السعي لاقتناء الاشياء  المبتذلة يتحول الى امر رائع عندما يكتنفها الخطر.

وهنا  نستعين بماكس فيبر ليبين للذين يعتقدون ان 1984 هي رواية عن التقنية بمعنى عميق انما يخلطون بين التقنية و التكنوقراطية: فالتقنية هي تطبيق او استخدام الطرق العقلية في الانتاج المادي  اما التكنوقراطية فهو تطبيق هذه الطرق في كل مناحي الحياة. لقد اصبحت وجهة نظر فيبر عن الحياة البشرية عقلانية لدرجة  ان كل الجمال والسحر يبقى خارج العالم وتعبر هذه النظرة  عن نزعة لارومانسية. 

سيبدو  غير معقولا، لاي شخص  يتوقع تواصل العمل  الادبي بشخصية المؤلف وفهمه الذاتي الواعي، ان نعزو الى ارول السحر الرومانسي لموضوعة الحب الممزوجة  بالقسوة والموت.  ان ارول ، كما يعرف الجميع ولانه اخبرنا بذلك مرارا(وهذا صحيح لحد كبير) ،  دافع وايد فضائل الحياة الانجليزية العامة  من حيث   الاستقامة و اللياقة السمحة والكلام الصريح والشعور العام  و وبهجة الحياة اليومية وبغض  القسوة.  غير انه لكتابة ادب خيالي لابد من توفر الخيال عند من يريد ان يكتب والخيال بدوره  ينسحب على اعماق عقل الفرد  الباطني . لقد عارض ارول  الناشر في تقديمه للكتاب لانه يجعل منه كما لو كان  نص اثارة ممزوج بقصة حب  وبهذا يبدوا لنا ارول  شخص رائع   مدهش وجذاب اكثر مما نعتقد  وربما اكثر مما عرف هو نفسه.ومن الجدير ذكره هنا هو ملاحظة الفرق بين المؤلف الفعلي والمؤلف الضمني للرواية فمثلا في حالة ارول ، نعرف الكثير عن مقاصد ونيات المؤلف لكتابتها لكنه لايمكننا الافتراض بان الرواية تعني كل ماأراد المؤلف قوله. فعندما نبتدئ قراءة الرواية تاركين جانبا بقدرالامكان مانعرفه  عن المؤلف ، قد نجد ان الرواية تعني شيئا مختلفا تماما عما قصد المؤلف ان يعنيه ، وبهذا نتمكن ان نكون بالاستنتاج مؤلفا ضمنيا  والتي تكون قيمه ومقاصده كامنة في الرواية ولهذا اقول ان المؤلف الضمني لرواية 1984 هو شخص  رومانسي مختلف تماما عن  جورج ارول الحقيقي.

سيكون من التفاهة انكار المغزى السياسي والفلسفي لاي من الروايتين ولكن هذا ليس قصدي من ذلك وانما قصدي هو المعنى الاقتصادي ففي رواية هكسلي  هجاء قوي لمذهب المنفعة بينما هجاء ارول للشيوعية قد فقد صفته  العاجلة ولكن رسالة التذكير بالاهمية السياسية للحقيقة وتطويع السجل التاريخي  وفي اعتماد التفكير المعقد على لغة غنية(لان اللغة هي وسط للفكر وللتعبير ) يبقى مشوقا فلسفيا وزمنيا في حقبة  يتم فيها اعادة صياغة كتب التاريخ  لتتفق مع ماتمليه عملية التصحيح السياسي.   ونادرا ماتناول  عمل بوضوح مقولة  الحقيقة تحررنا والجهل يضعفنا (لعكس احدى شعارات الحزب) مثلما تناولتها رواية ارول. ان اوبراين  ناطق رائع للمثالية بمعناها الفلسفي الساذج  منكرا وجود اي واقع خارج اطار الوعي البشري؛ وان برنامجه لاعادة كتابة التاريخ  (وليس كتب التاريخ الدراسية) يذكر ويعيد صدى الحوار الفلسفي حول الكفاءة المعرفية للشهادة6 .   وبينما كان ارول نفسه غير مهتم  ومعني على وجه الخصوص  بالتقنية ، فمن السهولة ان ترى الان كيف ان التطورات الحديثة في المحاكاة التصويرية والتلاعب بالبرامج الحاسوبية ستسهل مشروع اعادة كتابة التاريخ . وقد قال ارول نفسه عن التاريخ:"ليس هناك وجود موضوعي  لاحداث الماضي التي تبقى مدفونة في السجلات وفي الذاكرة البشرية. ان الماضي هو مااتفقت  على تدوينه  السجلات والذاكرة ، ولان الحزب يتحكم في عقول  اعضائه (فضلا عن تحكمه بكل السجلات) فان الماضي هو مايريد الحزب اختياره من تلك السجلات والذاكرة".

واخيرا يكتب للعمل  الادبي الخلود اذا كان ادبا حقا وليس كسياسة او فلسفة   لانه سرعان ماينتهي وينسخ باخر غيره عاجلا ام اجلا وغالبا مايكون اجلا. وعلى ذلك الاساس وحده، اتوقع  حياة اطول لرواية 1984 مما لرواية عالم جديد شجاع.  ولان الاحكام الادبية هي مسائل تذوق وليس منطق فانني بقولي ان رواية  ارول ستكون اوفر حظا من رواية هكسلي في البقاء زمنا اطول انما اعبر عن تفضيلي الشخصي لادب الشد القصصي والعمق العاطفبي  لاحد الرسوم  الساخرة المتألقة. ومسالة اخيرة مهمة وهي  انه ليس هناك ثمة تناقض بالقول ان الرواية التي تنبأت بواقعنا المعاصر بدقة هي من الناحية الادبية قليلة الاهمية.


هوامش المترجم

 

1- يعني مسالة التغييرات في البنية  الاجتماعية التي تصاحب التغيرات التقنية وهي اشارة الى التغييرات التي صاحبت واعقبت الثورة الصناعية.

2- نسبة الى بافلوف  العالم الروسي في فسلجة الحيوان ونظريته في الانعكاسات الشرطية التي كانت خلاصة بحوثه على الجهاز الهضمي للكلاب، والتي نال عنها جائزة نوبل للعلوم عام 1904 .

 3 - اشارة الى الهجر المبرمج لكل شيء عتيق  وقديم وهو يعكس النزعة الاستهلاكية في اقتناء الجديد دائما.

4-  الزواج التماثلي يشير عموما الى تزواج الافراد اعتمادا على درجة التشابه في الصفات؛ بمعنى وجود عملية اختيار للصفات (مثل لون  البشرة)  وهو الحاصل بين افراد نفس المجموعة العرقية او الدينية وهو مايسمى  بالتزاوج التماثلي الايجابي. ولما كان الذكاء هو احدى هذه الصفات المطلوبة في  اختيار الاقران ، فسيزداد تكرار توزيع صفة الذكاء بين المجموعات البشرية المختلفة بانتفاء التزاوج التماثلي الايجابي. ولكن لايزال الاشكال قائما بخصوص وراثة الذكاء التي تحتوي، بالاضافة الى مكونها الوراثي، على مكون بيئي.

5-لسنكو مهندس زراعي روسي اعتقد واهما بصحة نظرية لامارك التي سعت لتفسير الية التطور بين الانواع على انها نتيجة لتكيف افراد عديدة في ان واحد لبيئيات مشتركة. وكان  من اهم افتراضاتها هو  توريث الصفات المكتسبة؛ يعني تلك التي تتحدد بعوامل البيئة اكثر من عوامل الوراثة ولهذا شن حربا عشواء على علم الوراثة المندلية معتبرا اياه علما برجوازيا. وقدم نظريته القائلة بامكانية التحكم بالظروف البيئية  اثناء  مراحل نمو النبات . وقد نال موافقة ستالين وقتها ووعد بانتاج اصناف نباتية بالتحوير البيئي للصفات وزيادة الانتاج الزراعي ولكن كل ذلك كان محض كذب عمل على تأخر علم الوراثة في الاتحاد السوفيتي. وهو خير مثال لتدخل السياسة في العلم.

6-  يشير المؤلف الى كتاب "الشهادة :دراسة فلسفية" للمؤلف Coady,CAJ الذي يؤكد ان الفكر الفلسفي الغربي لم يهتم بمسألة  اعتداد  المفكر بشهادة الاخرين كما يجب، رغم اعتماده كثيرا على يقوله الاخرون في كثير من القضايا. ويحلل المؤلف طبيعة الاعتماد  على شهادة الاخرين والثقة بها من جهة كونها إحدى مصادر  المعرفة في التاريخ والقانون والرياضيات.