أدبيات صالح المطيري

 

آرثـــر مـيــلر :          الــمــحــنــة                 

         The Crucible

ترجـمـة :   صالح محمد المطيـري     1418 هـ - 1997 م

----------------------------------------------------------

 

أشخاص المسرحية:

القس باريس                                    غايلز كوري

بيتي باريس                                    القس جون هيل

طيطوبة                                        إليزابيث بروكتر

أبيجيل وليامز                                  جون بروكتر                                  

سوزانا والكوت                                ريبيكا نيرس                                   

مسز آن بوتنام                                  فرانسيس نيرس

توماس بوتنام                                   حزقيال شيفر

مرسي لويس                                   مارشال هيريك

ماري وارن                                    القاضي هوثورن

سارا جود                                      دانفورث، نائب الحاكم

هوبكينز

-------------------------------------------

الـفـصل الأول

غرفة علوية في بيت القس باريس، في قرية سالم، في مساشوستس، في ربيع سنة 1692. نرى نافذة صغيرة على اليسار، نشاهد من خلالها ضياء الصباح، لاتزال هناك شمعة تضيء جوار السرير على اليمين. نرى كذلك صندوقا وكرسيا وطاولة صغيرة في الغرفة.

يرفع الستار فنرى القس باريس، في منتصف الأربعين، جاثياً على ركبتيه جوار السرير يدعو على ما يبدو للناظر؛ وقد سُجّيت ابنته بيتي، التي تبلغ العاشره، إزاءه على السرير ساكنة بلا حراك. ومع أننا لانسمع كلماته إلا أن إحساساً بالحيرة والاضطراب يمكن ملاحظته عليه. إنه يغمغم، ثم يبدو وكأنه ينتحب، ثم ينتحب فعلاً بصوت مسموع. يلهج بالدعاء مرة ثانية، ولكن ابنته المسجاة على السريرلاتبدي حراكاً أو استجابة لذلك.

يُفتح الباب، فتدخل خادمته السوداء طيطوبة، وهي في العقد الخامس من عمرها، كان هوقد جلبها معه من باربادوس، حيث كان يعمل هناك تاجراً قبل أن يلتحق بالكنيسة. تدخل إلى الغرفة وكأنها لم تعد تحتمل منعها من رؤية من تحدب عليه. بيد أنها في الآن ذاته تبدو خائفة متوجسة؛ لأن حس العبودية لديها ينبئها أن كل مشاكل هذا البيت لابد أن تحط في النهاية على عاتقها.

 

طيطوبة:( تخطو قليلاً إلى الخلف) ألم تفق صغيرتي المسكينة بعد؟

باريس : أخرجي من هنا!

طيطوبة:(متراجعة إلى الباب) لن تموت عزيزتي بيتي...

باريس :(على أهبة النهوض،في غضب بين) أغربي عن وجهي! (تخرج) أخرجي من ...(تخنقه العبرة، يحاول كتمان نشيجه ويغلق الباب ويسند ظهره إليه خائر القوى) يا إلهي! العون العون! (يرتعش من الخوف ويهمهم إلى نفسه خلال نحيبه، يتجه إلى السرير ويستلم يد ابنته المسجاة) بيتي! ابنتي العزيزة! ألا تفيقين؟ ألا تفتحين عينيك؟ بيتي، يا صغيرتي....

(ينحني ليجثو بإزاء السرير، تدخل أبيجيل وليامزابنة أخيه، وهي فتاة في السابعة عشرة، جميلة وسيمة بصورة يمكن تمييزها من أول وهلة، يتيمة الأبوين، إلا أنها تتمتع بمقدرة كبيرة على المداراة والمراوغة والأحتيال. إنها الآن في غاية القلق والتوجس والتحفظ)

أبيجيل: عماه؟ ( يلتفت نحوها) سوزانا والكوت قد جاءت من لدن الطبيب غريغز.   

باريس : هكذا، دعيها تدخل، دعيها تدخل.

أبيجيل: (تنادي سوزانا لدى الباب) هلمي إلى الداخل، سوزانا.

(تدخل سوزانا. أصغر من أبيجيل بقليل. عصبية الطبع، يسودها التعجل)

باريس :(متلهفاً) ماذا يقول الطبيب ياسوزانا؟

سوزانا: (تمد عنقها لترى بيتي) لقد أمرني بالقدوم إليك وإخبارك بأنه لم يجد في كتبه أي دواء لهذا المرض.

باريس : إذن فلابد أن يجدّ في البحث عن دواء.

سوزانا: نعم، سيدي، لقد شرع في البحث عن دواء منذ جاء منك. لكنه قال لي بأن أخبرك أن تبحث عما إذا كان هناك أسباب غير عضوية لهذا المرض.

باريس :(تتسع حدقتاه) لا لا، لايمكن أن يكون سبباً غير عضوي. أخبريه بأني قد ارسلت إلى القس هيل في بفرلي وهو بالتأكيد سؤيد ماأقول. أبلغيه أن يبحث عن دواء فقط وأن يُبعد من رأسه أي فكرة تتعلق بأسباب مرضية غير طبيعية. لاشيء من ذلك البته.

سوزانا: حسنٌ سيدي، لقد أمرني أن أخبرك بكل ذلك.(تنعطف لتخرج) أبيجيل: سوزانا، لا توردين أي سيرة للموضوع في القرية.

باريس : إذهبي رأساً إلى البيت، ولا تتكلمين عن أسباب غير طبيعية.

سوزانا: عُلم ذلك سيدي. أنني أضرع إلى الله من أجلها.

أبيجيل: عماه، لقد أصبحت إشاعة الإصابة بالسحر على كل لسان في القرية. حبذا لو نزلت إليهم وفندت ذلك بنفسك. الردهة امتلئت بالناس. سأظل أنا بجانبها.

باريس:(متوتراً) وماذا عساي أن أقول لهم؟ هل سأقول أنني وجدت ابنتي وابنة أخي ترقصان في الغابة مثل الوثنيين.

أبيجيل: عماه، لقد رقصنا فعلاً، لك أن تخبرهم أني أقر بهذا، وستقومون بجلدي جزاء ذلك إذا كنتم لابد فاعلين. لكنهم الآن يتكلمون عن السحر. وبيتي لم تسحر، سيدي.

باريس: أبيجيل، إنني لا يمكنني أن أقف أمام هذا الجمع الذي تحت وأنتي لم تصارحيني بعد. يجب أن تصدقيني، ماذا فعلتِ أنت وبيتي في الغابة؟

أبيجيل: عمي، نحن فعلاً كنا نرقص، وعندما وثبت أنت من الشجرة ارتاعت بيتي فأغمي عليها. هذه كل الحكاية.

باريس: اجلسي.

أبيجيل:(تجلس، متهدجة الصوت) لم أعمل قط على مضرة بيتي، إنني أحبها من كل قلبي.   

باريس: أبيجيل، يجب أن تعلمي أن عقابك سيحل في وقته، لكن إذا صح أنكِ تعاملت أو استعنت بالأرواح في الغابة فعليك أن تفضي إلى بالحقيقة الآن. أنا أعلم أن أعدائي لا يفترون عن محاولة تدميري بأي وسيلة.

أبيجيل: لكننا لم نحضر أرواحاً.

باريس: إذن فلِمَ لم تحرك جسمها منذ منتصف الليل. إنها الآن في وضع خطر.(تُطرق ببصرها) لابد أن أخرج للناس...أعدائي سينشرون هذه المقولة. أخبريني بما فعلتما. أبجيل ألا تدركين أن لي أعداء كُثر في هذه القرية؟ 

أبيجيل: بلى سمعت عن ذلك، عماه.

باريس: هناك زمرة قد أقسموا أن يعملوا على إزاحتي عن منبري ومنصبي في هذه القرية. ألا تدركين ما أقول؟

أبيجيل: أظن ذلك، سيدي.

باريس: حسنٌ، في خضم ذلك الصراع من أجل تحطيمي، هاهي الألسنة تخوض في سلوك أهل بيتي بأنهم بؤرة للابتذال. لقد عملتما أشياء ممقوتة في الغابة.

أبيجيل: لقد كنا نمزح ونتسلى، ياعماه!

باريس: تسمين هذا مزاحاً!(تُطرق ببصرها) أبيجيل، إذا كنت تعلمين شيئاً قد يساعد الطبيب فبالله عليك إلا أخبرتني به! (صامتة) لقد رأيت طيطوبة تلوح بذراعيها حول النار عندما داهمتكم وأنتم على حالكم تلك. لماذا كانت تفعل ذلك؟ كما سمعتُ صراخاً مع برطمة لا أفهمها تَفُوه بهما هي. لقد رأيتها تتمايل وتترنح حول النار كحيوان صامت لايريم!

أبيجيل: إنها دائما ما تترنم بأغانيها التي ألِفَتْها وحفظتها في باربادوس، ونحن نرقص معها.

باريس: لا يمكنني أن أغض الطرف عما رأيت بعيني، لأن أعدائي لن يُفوِّتوا ذلك المشهد أبداً. أبجيل، لقد أبصرت ثوباً ملقى على الأرض.  

أبيجيل:(ببراءة) ثوب؟

باريس:(يعالج القول) نعم، ثوب. وأحسب كذلك أني رأيت شخصاً عارياً يجري بين الأشجار!

أبيجيل:(برعب) لا أحد كان عارياً! عماه، لقد أخطأك النظر!

باريس:(غاضباً) لقد رأيته بأم عيني!(يتحرك خطوات، يهدأ قليلاً) أخبريني بالحقيقة، أبيجيل. أرجو أن تشعري بثقل الحقيقة على كاهلك. إن منصبي ككاهن للقرية في وضع حرج للغاية. ليس منصبي فقط وإنما كذلك حياة ابنة عمك بيتي! أي عمل مشين قمتن به لابد أن تخبريني به الآن، لكي أكون على بينة من أمري قبل أن أواجه الناس المجتمعين أسفل!

أبيجيل: لم يحدث إلا ما أخبرتك، أُقسم على ذلك، عماه. 

باريس:(يتأملها، ثم يهز رأسه شبه مقتنع) أبجيل، لقد كافحت ثلاث سنوات شداد لكي أرغم تلك الرقاب العنيدة من سكان القرية! والآن، الآن فقط عندما أسست لي بعض الاحترام والتوقير والمكانة في القرية تأتين أنتِ بأعمال تخدشين بها سمعتي وتلوثين أبعد أعماق شخصيتي. أبيجيل، لقد أكننتك في بيتي، وكسوت ظهرك من احسن الثياب؛ أفضي إلى بإجابة صادقة صريحة عن سؤالي. اسمك على كل لسان، مع أنك نقية السريرة، أليس كذلك؟

أبيجيل:(بشيء من الاستياء) بالطبع لاريب في ذلك، سيدي، اسمي أبيض نقي بعيد عن الريبة والعيب.

باريس:(ملمحاً إلى هذه النقطة) أبيجيل هل هناك سبب آخر غير الذي أخبرتني به لطردك من الخدمة لدى السيدة بروكتر؟ سمعتُ ما يقال، وسأخبرك بما تقول هي، فقد أصبحت لا تأتي الكنيسة إلا لماماً وتعلل ذلك بأنها لا تطيق الجلوس بجانب (شيء) ملوث! ماذا يعني ذلك، أبيجيل؟

أبيجيل: إنها تبغضني، ياعم، لأني لم أرض أن أكون عبدة لها! إنها امرأة سليطة اللسان، كذابة باردة الشعور، وكثيرة التشكي والتباكي والعويل، ولن أرضى بالعمل لدى مثل هذه المرأة الحيزبون! 

باريس: ربما تكون كذلك، ومع ذلك فقد ضايقني أنك الآن من سبعة أشهر وأنت مسرحة من خدمتهم، وخلال كل هذه المدة لم تتقدم عائلة أخرى لطلب خدمتك!

أبيجيل: إنهم يريدون عبيداً، لا أناساً مثلي. دعهم يبعثوا لباربادوس ليأتوهم بالعبيد من هناك. لن أريق ماء وجهي لإجل أحد منهم!(بإستياء لم تفلح في إخفائه) هل تتضايق من وجودي معك ياعم؟  

باريس: لا، لا.

أبيجيل:(بلهجة تتشح بالرزانة) سمعتي نظيفة وناصعة البياض في كل أنحاء القرية. لن اسمح بتشويه سمعتي من أي أحد كان! السيدة بروكتر إمرأة دجالة عيابة لاتدع أحداً في سبيله!

 

(تدخل السيدة آن بوتنام، إمرأة في الخامسة والأربيعين مريضة النفس، قد استحوذ عليها الموت، واستوطنتها الرؤى والأحلام)

باريس:(يرى الباب يفتح) لا لا، لا أريد أحداً هنا.(يراها، فيذعن قليلاً، مع أنه لايزال منزعجاً) من، السيدة بوتنام، أدخلي.

السيدة بوتنام: (مشتعلة الحيوية،مع بريق في عينيها) إنها لأحدوثة! أعجوبة! إنها لضربة من الجحيم على كاهلك الضعيف!

باريس: لا، يا سيدة بوتنام، إنها...

السيدة بوتنام:(تلمح بيتي) إلى أي ارتفاع طارت، إلى أي ارتفاع؟

باريس:لا، لا، إنها لم تطر البته.

السيدة بوتنام:(مرتاحة لهذه الفكرة) كيف ذلك؟ إنها فعلاً طارت؛ السيد كولينز رآها تحلق فوق مخزن الغلال التابع لآل إنغرسول، ثم أقبلت نازلة إلى الأرض بخفة وكأنها عصفور! إنه يقول ذلك!

باريس: سيدة بوتنام، أقول لك إنها أبداً لم...(يدخل توماس بوتنام، من  مُلاك الأرض الموسرين، في قرابة الخمسين من العمر) أوه، عمت صباحاً، سيد بوتنام.

بوتنام: من عناية الله أن اكتشفنا الأمر الآن! (يتجه مباشرة إلى السرير)

باريس: ماذا اكتشفتم، ماذا تعني ياسيد بوتنام، ماذا..؟

       (تتجه سيدة بوتنام إلى السرير)

بوتنام:(ينظر إلى بيتي) مالها مغمضة العينين؟ انظري، آن.

السيدة بوتنام: عجباً، إنه لغريب! (متوجهة إلى باريس) عينا ابنتنا مفتوحة.

باريس:(يصدم لهذا) ابنتك روث مريضة؟

السيدة بوتنام:(بتأكيد حرِد) مريضة! إن مابها أعظم من أن يسمى مرضاً؛ لأن مس الشيطان أثقل من هذا المسمى، إنه الموت! أنت تعلم، إنه الموت، لقد طرحهما وأنشب أظفاره فيهما.

باريس: لا، أرجوكِ لا تقولي ذاك! أخبريني مالذي تشكوه ابنتك؟

السيدة بوتنام: تتألم، وحق لها أن تتألم؛ لم تفق أبداً هذا الصباح، لكنها تفتح عينيها وتمشي، وقد فقدت إدراكها بالمرة؛ فلا تسمع، ولا ترى، كما لاتقوى على الأكل. لقد استولى عليها الشيطان بلا ريب وسيطر على روحها!

      (يصعق باريس لسماع ذلك)

السيدة بوتنام:(مواصلة) يقال إنك قد أرسلت للسيد هيل قسيس بفرلي؟

باريس:(باقتناع متضاءل الآن) من باب اتخاذ الحيطة فقط. إنه خبير وضليع بكافة الأحوال الشيطانية والملابسات الغير عضوية.

السيدة بوتنام: إنه فعلاً كما تقول، وقد وجد ساحرة في بفرلي السنة الماضية، لعلك تتذكر ذلك.

باريس:الآن، ياسيدة بوتنام، لا أنكر أن ساحرة وجدت هناك، لكني واثق أنه لاتوجد أي علامة للسحر في حالة ابنتي بيتي!

بوتنام: تقول إنه لاعلامة سحر! انظر ياسيد باريس...

باريس: توماس، توماس، أرجوك دعنا من مسألة السحر هذه، أنت آخر شخص يُسر لمثل هذا البلاء إذا ما أصابني، سيطاردوني بالسخرية والاستهزاء ويصيحون بي خارج القرية لهذا الخراب الذي حل في بيتي!

بوتنام:(يجر باريس في الكلام نحو هذه) ياسيد باريس، لقد أخذتُ دورك في كل هذا النقاش، وسأستمر في ذلك، لكني سأعجز حتماً إذا أنت أصررت على رأيك. ثمة أرواح شيطانية شريرة مستولية على هؤلاء البنات! 

باريس: لكن، توماس، أنت لايمكنك أن....

بوتنام: آن، أخبري السيد باريس بما فعلتِ.

السيدة بوتنام: سيد باريس، لقد وضعت سبعة أطفال حديثي الولادة، لم يُعَمَّدوا، بعد على الأرض، صدقني سيدي لم تر في حياتك صغاراً في مثل صحتهم وسلامتهم، ومع ذلك لم يلبثوا وقتاً قصيراً حتى لفظوا أنفاسهم بين يدي وذبلوا أمامي كما تذبل الزهرة المتألقة فجأة!. لم أتحدث إلى أحد بخصوص احتمال السحر، لكن قلبي أخذ يثير بعض الهواجس والإشارات والاحتمالات المتعلقة بإمكانية ذاك، والآن، في هذه السنة، ها أنا أكاد أفقد ابنتي الوحيدة، روث الحبيبة، بعد أن انقلبت حالها رأساً على عقب! لقد أصبحت طفلة غريبة الشكل، وبدأت الغضون والتجاعيد تغزو وجهها وتمتص الحياة من جسمها. لذلك فقد خطر لي أن آخذها إلى طيطوبة، خادمتك.

باريس: طيطوبة! وماذا بوسعها أن تفعل طيطوبة؟

السيدة بوتنام: طيطوبة تعرف كيف تكلم الموتى، ياسيد باريس.

باريس: ياسيدة بوتنام، تحضير أرواح الموتى يعتبر خطيئة شنيعة!

السيدة بوتنام: سأحتمل أنا وزرها، لكن من غيرها يعطينا الخبر اليقين عمن قتل الصغار السبعة.

باريس:(مرتاعاً) يا امرأة!

السيدة بوتنام: لقد قُتلوا، ياسيد باريس، لقد قُتلوا. لاحظ هذه البينة. تأملها جيداً؛ البارحة توافدت تلك الأرواح السفلية حول ابنتي روث العزيزة، لقد تنبهت إلى ذلك وعرفت بحضورها، وإلا ما الذي كتم حسيسها وأخرس لسانها إلا تلك الأرواح الخبيثة، القادمة من عالم الظلام؟ إنه لدليل ساطع، ياسيد باريس!

بوتنام: ألا تفهم ذلك، سيدي. هناك ساحرة مجرمة موجودة بين ظهرانينا، مضطرة أن تحيك خيوطها في الظلام خشية الناس. (باريس يرعب ويتهيج) دع أعداءك وشانئيك يستفيدون منها كما يحلو لهم، لا يمكنك أن تتعامى عن هذا البلاء كل هذا الوقت.     

باريس:( إلى أبيجيل) إذن كنتم تحضرون الأرواح البارحة!

أبيجيل:(بلهجة خافتة) كلا، لست أنا سيدي، إنها طيطوبة وروث.

باريس:( يتجه إلى بيتي، بخوف، ينظر إليها، ثم يسرح ببصره) ياللخزي، أبيجيل، أهكذا يكون جزائي؟ أهكذا تقابلين رعايتي وإحساني ومعروفي؟ خلاص! لقد تحطمت!

السيدة بوتنام: لا ياسيد باريس أنت ما تحطمت، تول زمام الأمر بنفسك، ولا تدع لأحد آخر الخوض في مشكلتك، أخرس تخرصاتهم بإعلان الحقيقة؛ أنك كشفت النقاب عن جريمة سحر وشعوذة!

باريس: في بيتي؟ في عقر داري؟ سيسقطوني بهذا الكلام. سيجعلون منه...

(تدخل مرسي لويس؛ خادمة بوتنام، بدينة، كتومة المشاعر، في الثامنة عشرة)

مرسي: استميحكم عذراً، أريد فقط أن أرى بيتي وكيف حالها؟     

بوتنام: لماذا تركت البيت؟ من بقي مع روث؟

باريس: لقد قدمت جدتها إلى البيت. تحسنت حالتها قليلاً. أظن أني رايتها تعطس بصورة قوية.

السيدة بوتنام: آه، لا زالت فيها حياة!

مرسي: لن أرهب أكثر نت ذلك، سيدة بوتنام. لقد عطسة رائعة! لو تكررت لطارت بصوابها، إني متأكدة من ذلك.(تتقدم إلى السرير لترى بيتي)

السيدة بوتنام:

باريس: هل يمكن أن تتركني الآن يا توماس؟ سأدعو الله خالياً أرجوك.

أبيجيل: عماه، إنك تصلي وتدعو منذ منتصف الليل، لماذا لاتنزل إلى أسفل و--

باريس: لا، لا. (إلى بوتنام) ليس لدي ماأقوله لهولاء الناس. سأنتظر حتى يأتي السيد هيل.(حاثاً السيدة بوتنام على الخروج) لو سمحتِ، يا آن..

بوتنام: شوف سيد باريس، فقط سدد ضربة نحو الشيطان وستبارك القرية صنيعك؛ إنزل لهم، كلمهم، أدع مهعم،، إنهم يتحينون كلمتك، هيا ياسيد باريس، أرجوك إفعل. عزمت عليك إلا فعلت.

باريس:(مترنحاً) سأأمهم في "ابتهال" لكن إياك أن تورد شيئاً عن السحر  حتى تتضح الرؤية. لن أتعرض له أبداً. لا يزال السبب مجهولا حتى هذه اللحظة. لقد استمعت لآرائكم بما فيه الكفاية. لا أريد المزيد.

السيدة بوتنام: مرسي، إذهبي إلى البيت، وابقي بجانب روث، فهمتي؟

مرسي: حاضر، سيدتي.

       (تخرج السيدة بوتنام)

باريس:(لأبيجيل) إذا ما تحركت باتجاه النافذة فاشعريني فوراً.

أبيجيل: سأفعل، سيدي.

باريس:(لبوتنام) لقد سرى في ذراعيها قوة رهيبة اليوم.

          (يخرج مع بوتنام)

أبيجيل:(بقلقٍ مكتوم) مما تشكو روث؟

مرسي: لقد تحولت إلى شيء غريب! لا أدري مابها، منذ البارحة وهي تبدو تمشي وكأنها شخص ميت لا حياة فيه.

أبيجيل:(تتحول عنها بسرعة وتتجه إلى بيتي، تخاطبها بصوت متوجس) بيتي! (لا حراك، تهزها بيدها) كفي عن هذا بيتي! هيا كفي عن هذا الآن! استوي جالسة الآن!

          (بيتي بلاحراك، تقترب مرسي)

مرسي: ألم تجربي ضربها؟ لقد أعطيت روث علقة جيدة فأفاقت على إثرها لدقيقة. دعيني أتولاها.

أبيجيل:(تمسكها عن ذلك) لا، إنه سيعود. اسمعي الآن، إذا ما قاموا بسؤالنا فقولي لهم إنما كنا نرقص، لقد قلت له ذلك مراراً.

مرسي: حسنٌ، وماذا غير ذلك؟

أبيجيل: إنه يعلم أن طيطوبة حضرت روحي أختي روث من قبريهما.

مرسي: وماذا أيضاً؟

أبيجيل: لقد رآكِ عاريةً.

مرسي:(تصفق بيديها مرعوبة) ياإلهي!!

          (تدخل ماري وارن، متلاحقة الأنفاس، بنت وحيدة بلا أبوين، في السابعة عشرة؛ مستكينة الطبع، ساذجة الشخصية)

ماري وارن: ماذا سنفعل، يابنات، ماذا سنفعل؟ القرية كلها في الخارج، أتيت لتوي من المزرعة. البلد كلها تتكلم عن السحر، سيدعوننا ساحرات، أبيجيل!

مرسي: (تشير إلى ماري) إنها تقصد بأن تخبرهم بما جرى، فهمت ذلك!

ماري وارن: أبيجيل، لا بد أن نخبرهم. الشعوذة عقوبتها الشنق، مثلما فعلوا في بوسطن قبل سنتين! يجب أن نخبرهم بالحقيقة! ستُجلدين فقط لقاء رقصك، والأشياء الأخرى!

أبيجيل: آه، إذن سنجلد!

ماري وارن: لم أفعل شيئاً من ذلك أبداً، أبيجيل. أنا فقط رأيت!

مرسي:( تتجه إلى ماري متوعدةً) ماشاء الله! إنك ماهرة في النظر، ماري وارن، أليس كذلك؟ ما أعظم مقدرتك على استراق النظر والتلصص!

          (بيتي على السرير تنشج، أبجيل تلتفت نحوها فوراً)

أبيجيل: بيتي! (تتجه إليها) والآن بيتي هيا انهضي، ياعزيزتي! أنا أبيجيل (تُجلسها وتهزها بعنف) سأضربك، بيتي! (بيتي تنشج) عزيزتي، ها أنتِ تتحسنين. حدثت أبيكِ وأخبرته بكل شيء. لذا لاداعي لأن--

بيتي: (تندفع من السرير خائفة من أبيجيل، وتلصق نفسها على الجدار) أريد أمي!

أبيجيل: (بهلع..تقترب منها بحذر) ماذا بك يابيتي؟ أمك ماتت ودفنت من سنين! 

بيتي: سأطير إلى أمي، دعوني أفعل! ( ترفع ذراعيها وكأنها ستطير. تندفع سريعاً إلى النافذة وتُهْوِي رِجْلاً في الخارج)  

مرسي:

مرسي:

أبيجيل:(تسحبها بعيداً عن النافذة) لقد أخبرتهم بكل شيء! إنه يعلم الآن؛ يعلم جيداً أننا--

بيتي: لقد شربتِ الدم، أبيجيل! لم تخبريه بهذا!

أبيجيل: لا أسمع منك هذا الكلام مرة أخرى! لاتفوهي به البتة--

بيتي: لقد فعلتِ، أبيجيل، لقد فعلتِ! شربت عزيمةً لكي تقتلي زوجة جون بروكتر! لقد شربت العزيمة لتقتلي السيدة بروكتر!

أبيجيل:(تصفعها) أخرسي! لا تقولي مثل هذا الكلام!

بيتي:(تنهار على السرير): أمي! أمي! (تنتحب)

أبيجيل: والآن انتبهن يابنات! كلكن يجب أن تقلن: كنا فقط نرقص. وأن طيطوبة حضرت روحي أختي روث بوتنام. وهذا كل ماهنالك! وإياكن يابنات! أي واحدة منكن تنبس بكلمة أو بربع كلمة عن الأشياء الأخرى سآتي لها في ليلة غاب قمرها وادلهم ظلامها وسأحاسبها على مافعلت حساباً يقشعر منه بدنها! إنكن تعلمن أني قادرة على فعل ذلك؛ فقد رأيت الهنود وهم يهشمون رأسي أبوي بجانبي على وسادة السرير! كما شهدت الدماء وهي تراق في ظلام الليل! وسأجعلكن تتمنين أنكن لم تخرجن من بطون أمهاتكن لترين هذا الليل المظلم! (تتجه إلى بيتي وتجلسها بطريقة فظة) والآن، أنتِ! هيا اعتدلي جالسة، وكفي عن هذا!

       (بيتي تنهار بين يديها وتتمدد بلاحراك على السرير)

ماري وارن: (بهستيريا) ماذا جرى لها؟ (أبيجيل تحدق في وجل إلى بيتي) أبيجيل، إنها ستموت! إنها لخطيئة أن نحضر الأرواح، وأن--

أبيجيل:(تتجه إلى ماري) قلت لكِ أخرسي! ماري وارن!

          (يدخل جون بروكتر. تهلع ماري وارن لرؤيته. وهو مزارع في منتصف الثلاثينات من عمره)

ماري وارن: عذراً سيدي، إنما أنا في طريقي إلى البيت.

بروكتر: أنت خرقاء ياماري؟ أأنت صماء؟ ألم أنهك عن مغادرة البيت؟ لماذا إذن تتقاضين مرتباً مني. لقد بحثت عنك أكثر من بحثي عن أبقاري!

ماري وارن: إنما أتيت إلى هنا لأرى أعمالاً خطيرة في هذا العالم.

أبيجيل: سأريك أنا بسوطي أعمالاً عظيمة على ظهرك أحد هذه الأيام! إرجعي إلى البيت الآن؛ زوجتي تنتظرك بأشغالك. (تحاول الأحتفاظ بشيء من الثبات والرزانة وتخرج من الغرفة بهدوء)

مرسي لويس:(خائفة ومثارة معاً) من الأحسن أن أذهب. روث العزيزة تحتاج من يبقى قربها. عمت صباحاً ياسيد بروكتر.

          (تنسحب إلى الخارج. منذ دخول بركتر وأبيجيل واقفة متوجسة       وكأنها على أطراف قدميها وكلها انتباه وترقب لوجوده، محملقة           العينين. ينتبه إلى وجودها، ثم يذهب إلى بيتي على السرير)

أبيجيل: ياسلام! كدت أنسى كم أنت قوياً ياجون بروكتر.

بروكتر:(ينظر إليها الآن، وبابتسامة خفية على وجهة) ماهذا البلاء الذي يجري هنا؟

أبيجيل:(تضحك بتكلف) لا، أبداً، فقط ارتاعت لسبب ما.

بروكتر: الطريق أمام بيتي أصبح محجة إلى سالم. البلد كلها يتهامسون عن وجود سحر وشعوذة.

أبيجيل: هراء! (بشعور المنتصر تقترب منه قليلاً بملامح مكر خفي) كنا نرقص في الغابة البارحة، ثم داهمنا عمي فجأة؛ فأصابتها صدمة أوروعة من ذلك. هذا كل ماهنالك.

بروكتر:(تتسع ابتسامته) آه، إذن أنت بنت غير سوية، فاسدة؛ أليس كذلك؟ (تند منها ضحكة، فتقترب منه أكثر، بنظرات محمومة إليه) ستجلدين على رؤوس الأشهاد وأنت لم تبلغي العشرين بعد؟

          (يخطو خارجاً، فتثب وتعترض طريقه)

أبيجيل: جون، كلمني بكلمة رقيقة، كلمة واحدة فقط! (تقهره رغبتها الملحاح فتخبو ابتسامته)

بروكتر:لا، لا، أبيجيل. لقد انتهينا من هذا الموضوع.

أبيجيل:(موبخة) هل أتيت من بيتك البعيد فقط لترى هذه البنت السخيفة تطير؟ أنا أعرفك جيداً ياجون!

بروكتر:(يزيحها عن طريقه بإصرار) أتيت لأرى مايبيت عمك من بلاء وإحن الآن.(مؤكداً) اطرحي تلك الفكرة من رأسك، أبيجيل.

أبيجيل:(تتشبث بيديه وهو يزيحها) جون، إني أنتظرك في كل الليلة!

بروكتر: أبيجيل، أنا لم أعطكِ أدنى أمل بانتظاري!

أبيجيل:(ببوادر الغضب، لاتصدق مايقول) أظن أنني أملك ماهو أفضل من الأمل!

بروكتر: أبجيل، قلت اطرحي هذه الفكرة من رأسك، لن أقابلك مرة أخرى، ولن أسعى إليك.

أبيجيل: أنت بلا ريب لا تقول ذلك من صميم قلبك!

بروكتر: إنك تعرفيني جيداً.

أبيجيل: إنني أعرف جيداً كيف كنت متشبثاً بي وراء بيتك وجسمك يتفصد عرقاً كما الحصان كلما اقتربت منك! هل هذا صحيح أم أني أحلم بذلك؟ إنها "هي" التي أبعدتني عنك، لايمكن أن تقول أنك أبعدْتني بمحض إرادتك! لقد قرأتُ ملامح الامتعاض على وجهك عندما طردتني من بيتك. لقد أحببتني ياجون، ولازلت تحبني حتى هذه اللحظة!

بروكتر: إنه لمن العار أن تقولي--

أبيجيل: العارلايأتي إلا بالعار، ولكن ليس بالدرجة التي تتخيلها، أعتقد ذلك! لقد رأيتك مراراً منذ طُردْتُ من منزلك، رأيتك ليالٍ كثيرة!

بروكتر: لم أبرح مزرعتي منذ سبعة أشهر مضت.

أبيجيل: جون، لدي حاسة داخلية تستشعر الحرارة، ولقد جذبتني حرارتك مرة إلى أن أخطو باتجاه النافذة وانظر منها، فرأيتك واقفا تحت في الخارج تنظر إلى النافذة، تحترق في وحشتك. هل تزعم بأنك لم ترنو قط إلى نافذتي؟

بروكتر: ربما نظرت.

أبيجيل:(ترق لهجتها) وحُقَّ لك أن تفعل. إنك لست بالبارد الشعور. أعرفك جون.(تنتحب) لقد عافت عيوني النوم من كثرة ما أفكر فيك وأحلم بلقياك، ولطالما جستُ خلال البيت علني ألاقيك قادماً من أحد الأبواب.(تتشبث به مسترحمة)

بروكتر:(يبعده عنه برفق. يرثي لحالها لكنه لا يحيد عن موقفه) يا بنية-

أبيجيل: كيف تدعوني بنية؟

بروكتر: أبيجيل، ربما أفكر فيك بعطف ورفق من وقت لآخر. لكني سأقطع يدي حتماً إذا ما سعيتُ إليكِ مرة أخرى قط. أخرجي هذه الفكرة من رأسك؛ لم يكن بيننا شيءٌ البته، أبيجيل. 

أبيجيل: حسنٌ، ولكن كان!

بروكتر: لا لم يكن!

أبيجيل:(بحنق مرير) آه، أتساءل كثيراً كيف أن رجلاً بمثل شبابك وحيويتك وقوتك يسمح لمثل تلك الزوجة العليلة أن-- 

بروكتر: (غاضباً)  لاتذكرين إليزابيث على لسانك!

أبيجيل: إنها تلطخ سمعتي في القرية! وتختلق الأكاذيب عني! إنها أمرأة باردة كثيرة التشكي والتمسكن، وأنت رغم ذلك تنحني لها في خضوع! دعها إذن تصيرك مثل--

بروكتر: (يهزها) أتطمعين في أن تجلدي؟

          (يسمع ابتهال يُنْشَد من أسفل)

أبيجيل: (دامعة) إنما أطمع في جون بروكتر الذي ارتفقني من نومي ذات ليلة ثم سكب خمرة الحب في فؤادي! لم أعرف من قبل مقدار مافي سالم من الرياء والتصنع، لم أعرف قط من قبل تلك الأكاذيب لقنني إياها كل أولئك النساء المسيحيات هنا ورجالهن الأوفياء المحافظين على العهد! والآن تريدني أن أتعامى عن الحقيقة التي تراءت لي؟ لا، لن أفعل، لا أستطيع! لقد أحببتني ياجون بروكتر، ومهما يكن في ذلك من إثم، فإنك لاتزال تحبني حت الآن! (يعرض عنها سريعاً ليخرج، تندفع تجاهه) جون أرجوك أرفق بي، رحماك بي!

          (تسمع عبارة "صاعدة إلى الرب" آتية من الابتهال أسفل، تصفق      بيتي أذنيها فجأة وتعوي بصوت عال)     

أبيجيل: بيتي؟ (تندفع إلى بيتي التي هيى الآن جالسة على السريرتصرخ. يتجه بروكتر إلى السرير بينما أبيجيل تحاول أن ترد يديها إلى الأسفل منادية: بيتي!)

بروكتر:(يفتقد رباطة جأشه) ماذا تفعل هذه؟ ماذا دهاكِ يا بنت؟ ماالذي أصابك؟ كفي عن هذا العويل!

          (يتوقف الإنشاد في أثناء هذا، باريس يندفع داخلاً)

باريس: ماذا جرى؟ ماذا تعملون لها؟ بيتي! (ينطلق إلى السرير صارخاً: بيتي! بيتي! تدخل السيدة بوتنام ومرسي لويس. باريس لدى السرير يربت وجه بيتي، بينما هي تئن وتحاول النهوض)

أبيجيل: لقد سمعتك وأنت تنشد فنهضت فجأة تصرخ.

السيدة بوتنام: آه الابتهال! الابتهال! إنها لاتحتمل أن تسمع اسم الإله!

باريس: لا، حاشا لله! مرسي، أسرعي إلى الطبيب! أخبريه بمايجرى هنا. (تنطلق مرسي خارجة)

السيدة بوتنام: لاحظ هذه الأمارة، ياباريس، لاحظ هذه الأعراض!

          ( تدخل ريبيكا نيرس، في الثانية والسبعين، شمطاء الشعر، متكأة     على عصا)

بوتنام: (يشير إلى بيتي التي لازالت تنشج) سيدة نيرس، إنها لدلالة ساطعة أمام أعيننا  الآن بأنها قد سُحرت، دلالة عظيمة!

سيدة بوتنام: لقد سبق أن أخبرتني أمي بهذه الأعراض! عندما لايحتمل المصاب سماع اسم--

باريس: (مرتعشاً) ريبيكا، ريبيكا، اقتربي منها، لقد انقلبت حالتنا. إنها لم تحتمل فجأة أن تسمع اسم الرب-

          (يدخل، غايلز كوري، في الثالثة والثمانين، مفتول العضلات، قد      حنكته التجارب، كثير الفضول والاهتمام لم يجري حوله، مع احتفاظه بكثير من قوته وجلده)

ريبيكا: هنا مريض خطير الحالة يا غايلز، أرجو أن تحتفظ بهدوئك.

غايلز: لم أتنفس بكلمة، وكل الحاضرين يعلمون ذلك. هل ستطير مرة أخرى؟ لقد سمعت بأنها تطير.

بوتنام: يارجل، هدوء لو سمحت! 

          ( الهدوء يلف المكان، تتقدم ريبيكا إلى السرير، تبدو عليها سيماء     الشفقة والحنان والرفق، بيتي تئن بصوت خافت مغمضة العينين،     تقف ريبيكا جوار بيتي على السرير، فيهدأ أنينها بالتدريج)

سيدة بوتنام: (مندهشة) ماذا فعلتِ؟

          (ريبيكا مستغرقة تفكر، تتحرك عن السرير فتجلس)

باريس:(مندهش، قد خف توتره) ماذا صنعتِ لها يا ريبيكا؟

بوتنام: (مستطلعاً) سيدة نيرس، هل بوسعك أن تذهبي إلى ابنتي روث وتجربي معها نفس ما فعلت هنا؟

ريبيكا: (جالسة) أرجو أن تظوا هادئين، أظن أنها ستفيق عاجلاً أم آجلاً. خلفت أحد عشر من الذرية، وأنا جدة للمرة السادسة والعشرين، لقد خبرت الصغار جيدا وعندما تعتريهم روح الشيطنة والشقاوة يصعب عليك إيقافهم عن ما هم فيه. أظن بأنها ستفيق عندما تحاول ذلك، إن روح الطفل هي مثل الطفل: لا يمكنك إحرازها بلحاقها ، وإنما بأن تظل ساكنا مكانك، وبدافع المودة ستأتي لك طائعة.

بروكتر: آه، هذه حقيقة الأمر إذن، ربيكا.

السيدة بوتنام: هذا ليس موسم شقاوة و شيطنة. بنتي روث غارقة في الذهول ولا تستطيع الأكل.

ربيكا: ربما لأنها لم تشعر بالجوع بعد، (تلتفت لباريس) أتمنى بانك لا تزمع البحث عن الأرواح الهائمة بعد،  سمعت بذلك في القرية.

باريس: لقد سرت شائعة في القرية بان الشيطان بين ظهرانينا هذا الوقت، ولهذا سأثبت لهم بانهم مخطئون.

بروكتر: إذن أخرج إليهم وقل لهم انتم مخطئون، هل استشرت رؤساء القرية قبل أن تستدعي هذا الكاهن ليبحث عن الشياطين؟

باريس: لن يأتي لكي عن يبحث عن الشياطين!

بروكتر: من أجل ماذا سيأتي إذن؟