مسلسل الفتك بالمبدعين
سأفتتح
مسلسلي هذا بصورة كا ريكوتورية
تصور المبدع وهو ينظر بعينيه إلى الأسفل ثم يلتفت إلى الخلف، لماذا يا ترى؟
....... ..، لأنه ينظر إلى ما يكتب على الورق وفي نفس الوقت
يترقب المطرقة التي قد تهوي على رأسه في لمح البصر.
بدأ مسلسل الفتك بالمبدعين هذا منذ الجاهلية، وعبر التاريخ الإسلامي نال هذا
المسلسل من كثير من رموز الأدب والشعر والعلم. ولو استعرضنا
تفاصيل هذا المسلسل لوجدنا أن السلطة الحاكمة آنذاك تحتل نصيب الأسد في قطف تلك
الرؤوس! وللتفصيل، فإن الحاشية بما فيهم من سعاة ومنافقين قد رتبوا ورسموا خطوات
هذا المسلسل ، فيما قامت السلطة بمهمة التنفيذ.
وللحقيقة ، فإن تلك السلطة التي سحقت تلك الرموز
لم تكن تدرك القيمة الأدبية والعلمية والفنية التي كانت تمثلها هذه الرموز، ولم
تكن على دراية بفداحة الخسارة الأدبية التي تنال الأمة من محو اولئك
النفر المبرزين. وفيما يلي سأستعرض نماذج ممن طالهم هذا
المسلسل العنيف، مسلسل الفتك بالمبدعين:
1-
الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:
وقد لقي مصرعه بأمر عمرو بن هند، حاكم الحيرة في ذلك الزمان. وكان هذا الحاكم آية
في الاستبداد والمزاجية، و لافرق عنده بين سحق إنسان أو
سحق أي حشرة حقيرة في سبيله. وربما أنتقد طرفة بعض هذه التصرفات المزاجية في بعض
أشعاره، مما أدى إلى حنق الحاكم عليه، ومن ثم تدبير حيلة لطرفة ليذهب إلى البحرين
أملا في الحصول على جائزة، ليلق حتفى المأساوي هناك على
يد عامل البحرين، الذي كانت تسميه العرب بالمكعبر، لانه كان يقطع أطراف ضحاياه ويتركهم حتى يموتوا.
2-
عَبَيد بن الأبرص: ولقي حتفه هو الاخر
على يد المناذرة، إذ جاء المسكين إلى الملك المنذر
فوافق يوم بؤسه، فقالوا له يا عَبيد أنت ميت ألان لامحاله،
فأخذ المسكين يتمتم بأبيات قبيل أن يُفصد فينزف دمه حتى الموت.
3-
أعشى همدان: من العصر الاسلامي والاموي، قضى هذا الشاعر
المسكين على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان قد اشترك في ثورة ابن الاشعث وقبض عليه بعد معركة دير الجماجم، فجاؤوا
به إلى الحجاج وأخذ يمدحه بابيات عله يعفو عنه، لكن من
ذا الذي ينال عفوا لدى الحجاج؟ فلم تنفعه أبياته تلك وببخه
الحجاج بعنف ثم أمر بقتله.
4-
عبدالله بن المقفع: وكان كاتبا
كبيرا ذا أسلوب يتعجب له المرء من سهولة وجاذبية رغم أنه كان في بداية عصور
الكتابة العربية. قتله المهدي بناء على تهم باطلة.
5-
بشار بن برد: وكان شاعرا مفلقا،
وله مقدرة على الوصف والتصوير لم تتسنَّ للمبصرين، وما ذلك إلا لقوة الخيال لديه،
لا سيما وأنه كان أعمى البصر. وقد قتل هو الآخر بناء
على (قانون الزنادقه) الذي سنه المنصور ثم استمر عليه
المهدي من بعده. لكن لو استعرضنا زندقته تلك في تراثه
لما وجدنا إلا أبياته التي يفضل فيها النار على الطين ، والتي تحدث عنها الجاحظ في
البيان والتبيين. وكذلك لا بد من ملاحظة أنه قد انتقد في شعره الخليفة المهدي
وانشغاله عن أمور الحكم وتركها لوزيره يعقوب بن داوود. وهذا الذي اراه قد ساقه إلى حتفه.
6-
ابن مقلة: الفنان والخطاط
المشهور، والذي كان يضرب بروعة خطة المثل، تولى الوزارة مرتين، وكان في عصر كثرت
فيه الانقلابات السياسية، يصبح فيه الرجل حاكما وسيدا وكبيرا ثم لا يمسي إلا ورأسه
يتدحرج في إيوانه الذي تُوّج فيه. المهم أن ابن مقلة قبض عليه بعد أحد هذه
الانقلابات الغوغائية، فقطعت يده التي كانت آلة الإبداع لديه، فلم ييأس لهذا وصار
يمسك القلم بفمه ويأتي بخطوط لا تقل رورعة عن يده. لكنه
لم يلبث أن صُفّي وهو في سجنه.
7-
ابن بقية: أحد وجهاء بغداد
الذين نذروا أنفسهم لمساعدة الناس ومد يد العون لهم، واشتهر أمره بالجود والكرم
خاصة بين أهل الأدب والفضل، حتى أصبحت تسير بمدحه الركبان. فلم تعجب هذه الحال
الطاغية عضد الدولة، الذي حنق عليه هذا الفضل الوافر وهذه السمعة الطيبة، فأمر
عندها بالقبض عليه ومن ثم قتله وصلبه على احد أبواب بغداد المشهورة، لكن ذلك لم
يمنع الناس من التغني بمآثره والأسف لفقده، فمثلا جاء الشاعر ابن الأنباري فترجل عن فرسه ووقف إجلالا لابن بقية وهو على صليبه
وأنشد قصيدته المشهورة، والتي عندما سمعها الطاغية تمنى لو أنه كان المصلوب نفسه لينال
شرف تلك القصيدة.
8-
ابن هانيء الاندلسي: الذي كان يلقب بمتنبي الغرب أو المغرب، قتل في
أثناء سفره في قافلة عبر برقة. وينسب البعض له البيت (ماشئت
لا ماشاءت الاقدار فاحكم
فأنت الواحد القهار) لكن البيت الذي يليه لا يدعم هذه النسبة، لأنه يصفه بعدها
بقوله (وكأنما أنت النبي محمد وكأنما أنصارك الانصار)
فكيف يقرر أولا بأنه (الواحد القهار)- والعياذ بالله- ثم يتابع
بقوله (فكانما أنت النبي محمد)؟
9-
أبو الحسن التهامي: الشاعر المطارد، كان أصلا من تهامة
في الجزيرة العربية، لكن أحد رؤساء الحجاز أو مكة كلفة في مهمة سياسية سرية إلى
مصر، وهناك ظل مطاردا مدة من قبل رجال الحاكم بأمره إلى أن وقع في قبضة الحاكم
نفسه الذي أودعه السجن ليمكث فيه فترة إلى تمت تصفيته. والجدير بالذكر أن هذا
الحاكم لم ينجو من شره إلا القلة. ومن أخبار هذا الشاعر أنه فجع بموت أبنه الصغير
وهو في السجن، فاجتمعت عليه مصيبتان ، الاولى بسجنه والثانية بابنه. فنظم قصيدته المشهورة.
10- الهمداني: علامة اليمن ابن الحائك الهمداني،
من أعظم جغرافيي جزيرة العرب في عصره، وكان شاعرا كذلك، وله إحاطة
بعلوم الفلك
والحكمة والفلسفة . سجن في أخريات حياته ، وقضى في
السجن.
11- ابن عمار الاندلسي: كان هو والمعتمد بن عباد خلين حميمين في السراء
والضراء، وازدادات مودتهما قوة بعد أن أصبح المعتمد
ملكا خلفا لأبيه المعتضد فكان لايفارق
مجلس أنسه، ولا يبخل عليه بأدبه وشعره، خاصة إذا علمنا أن المعتمد كان شاعرا هو
الآخر. لكن لم يلبث أن تعكر صفو الود بينهما فانقلب ابن
عمار من خل ودود إلى عدو لدود، يؤلب ملوك الطوائف على المعتمد. فظفر به المعتمد
بعد مدة فهمّ بقتله، لكن ابن عمار أخذ يتوسل إليه بعهود الصحبة الحميمة والسنين
الجميلة الماضية، لكن كل هذا لم يشفع له إزاء الجرم الفادح الذي ارتكبه، لذا لم يلبث المعتمد أن
قتله.
12- هاشم الرفاعي: الشاعر المصري الشاب، كان من رموز الشعر العربي
الكلاسيكي في العصر الحديث، لآنه كان ينهج على طريقة
شوقي والبارودي وحافظ إبراهيم، ولا يقل كثيرا عنهم في توليد المعاني والصور
والأخيلة. وكان فوق ذلك سيفا شعريا على إرهاب الدولة وطغيانها التي كانت تمارسه
حكومة الثورة آنذك، وكشف في أشعاره مهازل وانتهاكات
حقوق الإنسان التي كان – ولا زال - يزاولها العسكر في ذلك الزمان ، خاصة في ما كان
يسمى بمحكمة الشعب، التي سحقت الشعب في حين أنها أسست لخدمته. لكن معظم هذه الاشعار كان ينشرها سرا ويتداولها
الناس في أرجاء الوطن العربي. ومن أشهرها قصيدة (رسالة في ليلة التنفيذ) وقصيدة
(جلاد الكنانة) وغيرها قصائد كثيرة تجدها مبثوثة في ديوانه المنشور. المهم أن وضعه
هذا الناقم على الارهاب الحكومي قد أقلق السلطة وأقض
مضجعها، لذا لم تلبث أن دبرت حادثة اغتياله في ملعب كرة القدم – الذي كان يتولى
إدارته - على ما يبدو من بعض التفاصيل . وبعضهم يتهم به الشيوعيين. لكن السلطة كانت مستفيدة بلا ريب من تلك الجريمة،
وربما كان هناك تواطأ ً بين الفريقين. والرأي عندي أنها السلطة بلا ريب
(مع ذكر عنوانه)