|
|
|
|
|||||
|
|
(نشرت في مجلة الأدب الإسلامي المجلد السابع
عشر) { أضاعوني} مسرحية كتبها صالح محمد المطيري
Ó جميع الحقوق محفوظة صالح محمد المطيري1417هـ المنظر
الأول ( الدنيا ليل ... يزاح الستار فنرى على المسرح بيتاً متواضعاً من الداخل
، يدل من نظرة واحدة على أنه بيت رجل فقير معدم ، تتوسط المسرح باحة البيت
الصغيرة نوعاً ما، يحتل نصفها فراشٌ رثّ . يدخل حسان الإسكاف ، رجل في الثلاثين
من عمره ، أقرب ما يكون إلى الطول، عليه زي الصناع ، حاملاً عدة صناعته على كتفه
، إنه متعب ، يبدو أنه قادم من مشوارٍ طويل ... يدخل إلى باحة البيت ، ويقعد على
الفراش الرث ، واضعاً عدته إلى جواره . ينادي ...) حسان : يا امرأة ! (... بعد لحظات تظهر امرأته زينب ، أصغر من الثلاثين
بقليل ، في وجهها ملامح من كان يعاني النعاس ، وبدا ذلك واضحاً في صوتها ، وقد
لفت كتفيها بغطاء قديم ، بدت خيوطه المهلهلة تموج ذات اليمين وذات الشمال ، في
محاولة لدرء برودة الثلث الأخير من الليل ) زينب : نعم ، ها أنت قد جئت ! لقد كاد الصبح أن يطلع ولماّ
تأتِ . حسان:(بصوتٍ مرهق) اسكتي يا امرأة ، هل نام الصبية ؟ زينب:(مستغربة) أقول كاد الصبح أن يطلع وتقول هل نام الصبية
! حسان:(مغيراً لهجته) ماذا أفعل يا زينب ! لقد كلّت رجلاي من
طول المشي ، فقد ذهبت اليوم إلى مربد البصرة سيراً على
قدميّ ! زينب: مربد البصرة ! وما دعاك إلى الذهاب إلى هناك ؟ حسان: إنه سوقٌ كبير ، ينصرف إليه الناس من كل مكان ، فلما
أتيت سوق البصرة اليوم ، مكثت طويلاً ولم يأتني أحد ، فعلمت أن الناس قد ذهبوا
إلى المربد . زينب:(تقعد على طرف الفراش) وماذا فعلت بعد ذلك ؟ حسان: لقد احتملت عدتي على ظهري وذهبت إلى هناك ، فوصلت بعد
الظهر ، ومكثت فيه إلى قريبٍ من المغرب ، حين انفض الناس وتقوض السوق ، فكررت
راجعاً إلى البصرة! زينب:(بدهشة) منذ ذلك الوقت وأنت تسير ؟ لهفي عليك يا حسان
! ألم تجد مندوحة من كل هذا العناء ؟ حسان:(يميل على شقه) نعم ، إنه بعيد من البصرة ، ولم أجد
أحدً يحملني من هناك (يضع عمامته) منذ غابت الشمس وأنا أغذ السير ، ملتحفاً
السُّرى، فكنت أسير حتى أتعب ، فأستريح قليلاً ثم أواصل سيري...ولم يخفني في هذا
الليل مثل أن أقع في يد أحد أولئك الشطار والعيارين ! ولكن الله سلّم ! زينب:(بشفقة) فداك أبي وأمي ! يا حسان ، وماذا يريد منك
اللصوص وأنت إسكاف مسكين لا تملك إلا مخارزك الصدئة وخرجك المبطن بأوضار النعال
! حسان:(يحك رأسه) أية خرجٍ وأية مخرزٍ ياامرأة ؟ يكفي أن
يروا خيال إنسان يسير وحده الليل ليقتلوه ويسلبوا ما معه ، مهما كان
حقيراً . بالأمس قتلوا رجلاً من بني قشير ولم يجدوا معه إلا عصا فيها سيرٌ مبتورٌ
نصفه ! فسلبوه إياها وتركوه طعمة للغربان وطيور الفلاة ! زينب: أبعد الله عنك كل مكروه ،وسلّمك لأهلك وعيالك ! لابد
أنك خفت أن يسلبوك ماأحرزت ، بُعداً لهم وتعساً ، قل لي بالله عليك كم كسبت بعد
هذه الرحله الشاقه على قدميك ؟ (تقوم إلى طرف الباحة فتحضر إناءً فيه ماء). حسان: لاتسأليني كم كسبت ، بل قولي كم خسرت ! لقد
كانت هذة الرحلة ضغثاً على إبّالة ! ( يستوي فيضع رجليه في الإناء). زينب:(تدلك رجليه مستسلماً) وكيف ذلك ؟ (متعجبة) ألم تذهب
إلى هنالك لتكسب أكثر ؟ حسان:(مستريحاً لما تفعل) آه ، أحسن الله إليك ياأم عمرو،
لقد تفطرت قدماي من المشي ! (مواصلاً كلامه) لا ، ليس الأمر كما تظنين ، فما
ذهبت إلى هنالك إلا لِما رأيتُ من قلة الناس في سوق البصرة ، الذي أجلس فيه كل
يوم ولم أحصل من ذهابي على شروى نقير! زينب: وكيف ذاك ياحسان ؟ حسان:(يستند علىظهره) لا أدري ! ربما أن الناس يفضلون شراء
حذاءٍ جديد على ترقيع القديم ، ومن العجب أني رأيت قوماً يتأبطون نعالهم ويمشون
حافين ، خوفاً عليها من البلى ! فلِمَ جُعلت النعال إذن ! ولقد رأيت بعضهم يمشي
حافياً عند تساقط النبق من الشجر ، خوفاً على حذائه من الضرر ! سبحان الله ! يشفقون
على نعالهم ولايشفقون على أقدامهم ! زينب:(في ابتسامة قصيرة لما يقول) هل تعني أنه لم يأتك أحد ؟ حسان: لا بل قد جاءني أحد ، وليته لم يأتني ولم يقف علي !
(بحنق) تبّاً لها تلك النعال اللعينه ! لقد تكسرت معي ستة مخارز وأنا أحاول
إصلاحها ! ومن شدتها يخال المرء أنها قُدّت من الصوّان وليس من الجلد ! زينب: وكيف حدث ذلك ؟ حسان: لقد جاءني بعدما وصلت إلى السوق رجل مروزيٌ يريد إصلاح
زمام حذائه ، الذي بلي من القِدَم ، فتأملت العطب قليلاً من الوقت ، ثم شرعت في
محاولة رأب انقطاعه ، ووصل أسبابه ، ولقد تكسرت معي سته مخارز وأنا أحاول
جاهداً إصلاحه ، ولكن دون جدوى . فلما وضعت المحاولة أوزارها ، وعجزت وسائلي عن
اختراقها ، التفت إلى صاحبها ، فقلت له : اتق الله يارجل ! نعلك هذه لاينفذ فيها
السيف الصقيل ، فكيف بالمخرز الكليل ! فنظر إليّ وقال: حاول مرة أخرى ، يعز علي
فراقها ، لن أرميها أبداً ، لقد حججتُ بها ! فسألته ضاحكاً : هل حججتَ بها أم هي
حجتْ بك ؟ قاتل الله أهل مرو ! فإنهم لو استطاعوا لصنعوا من
الصخر نعالاً ! وذلك من شدة بخلهم وحرصهم على ألاّ يصيبها البلى والاهتراء ! وهو
مصيبها لامحالة ! زينب:(قائمة) لاعليك يا حسان ، لقد بلغ منك التعب والجهد ،
لقد جاوزنا منتصف الليل ، فأدرك ما بقي منه ونم هزيعاً وأرح جسمك قبل أن تغدو
باكراً إلى صنعتك. حسان:(يقوم هو الآخر) آه ، صدقت كم أنا في حاجة إلى النوم ،
بعد تلك المشقة التي احتملتها، ولم أخرج منها إلا بزيادة الخيبة والخسران ! ( يخرجان ) ................................................... المنظر
الثاني ( لايزال المنظر في الليل ... نرى المسرح مقسوما نصفين 0 نصف على اليمين يمثل بيت
الاسكافي بوصفه السابق، والنصف الآخر يمثل جزءا من بيت أبي حنيفة ، جار الاسكافي
، حيث نشاهد فية فناء صغيراً تحيط به أبواب الغرف القليلة ،وأبوحنيفة ، أشيب ،
قد ذرّف على الخامسة والستين من عمره ، تتوج وجهه لحية بيضاء وقور ، وقد رسم
التقدم في السن خطوطاً متوازية على جبهته ،وبمحاذاة صدغيه ، متلفعاً بطيلسانه
الذي علقه على على كتفيه ، ومعتمراً عمامته ، تدلت منها ذؤابة إلى الخلف ،
متوسطا فنائه ، مستقبلا القبلة ، يصلي كما هو شأنه في ليله ، ويسلم كل ركعتين 0
يدخل الاسكاف الى بيته ، فتسلط الأضواء عليه ، يبدو عليه التعب كعادته ، يضع
عدته جانباً، وينتحي جانب الحصير المدود في الباحة الصغيرة ، يجلس) حسان:(لنفسه) آه ، ها قد جئت الآن الى بيتي لأنال شيئا من
الراحة ، وأريح جسمي المنهك ، وقواي الخائرة ،ثم أغدو صباحا برفقة مخارزي
ومُرقّعاتي الى مصطبتي لأّرقّع نعال العباد.... زينب: (وقد بصرت به):ها قد جئت ياحسان ! حسان: نعم وإني لمتعب وجائع فهل عندك مايؤكل ؟ زينب:(تضرب كفا بكف):ليس عندي إلا ما قد علمت ! حسان:(يهز رأسه) أعرف ، خبز شعير يابس ! لابأس ! أحضريه
الآن ، فانه أفضل من أن أنام خاوي البطن ! زينب:(تذهب وتحضره) ها هو! حسان: هذا نصفه ! فأين النصف الاخر؟ زينب: كسّرته للصبية وبللته ماء وقدمته لهم ، ولولاه ماناموا
. حسان:(للجمهور) تبا للفقر يبخسنا حتى خبز الشعير اليابس! زينب:(تضع أمامه قطعة الخبز في صحفة ومعها إناء ماء) هذا هو يا حسان ، كل وتناول عشائك! كيف عملك اليوم ؟ حسان:(يتناول كسرة من الخبز) أبداً مثل كل يوم ! تعب وشقاء
وشمس ، ومعاناة لأحذية الناس بكل مافيها من أذى وقذارة ! مقابل دوانق زهيدة
لاتكاد تجزيء كل هذه السخرة ! زينب:(تجلس قبالته) أعانك الله ياحسان ، هذه هي الحياة ! حسان:(يمضغ كسرة أخرى) نعم ! هي كذلك ، لكن مادام هنالك شيء
يؤكل ،مهما كان حقيراً، فهو أحسن من لا شيء بالتأكيد ! (يمكث ليتناول بقية ما
أحضرته له ، ثم يلتفت إليهاويقول بلهجة آمرة) أقول لك يا امرأة ، قومي إلى تلك
الخابية في مطبخك ، وأحضري لي قنينةً وضعتها فيها البارحة. زينب:(بذعر) ياويلي وياسواد ليلي ! قنينة ماذا ؟ ويلاه !
أوَصرتَ تشربها بالقناني بعد أن أذهبت قوت عيالك في أسفاطها المهترئة ! حسان:(بنظرة غاضبة) اذهبي وأحضري ماقلت لك ! زينب:(قائمة) اتق الله ياحسان ! وأبقِ لعيالك شيئاً من قوتك
وكسبك، وارحم رأسك المتعب وجسمك المنهك ، أيسرك أن تسكر وتعربد وعيالك يتضورون
جوعاً! حسان:(منفجراً) أف ، كفى ! كفى ! أغربي عن وجهي وكُفّي عن
رقائقك وعظاتك ، وانجحري إلى عيالك ودعيني أحيا ساعتي ، بعد أن قتلني العمل ،
ونخرني الكد، وبلغ مني السعي وراء اللاشيء ! أبهذه الحال تقابليني ، وتبشين في
وجهي! زينب:(محاولة تهدئته) كل ما أرجوه أن اثنيك عما أنت منكفيءٌ
فيه من ...... حسان:(مقاطعاً، ومشيراً بقبضته) سُحقاً لك وخُسْراً !
لتالله إنك للَّكَاع التي عناها الشاعر : أُطوِّفُ ما أُطوِّفُ ثم
أغدو على بيتٍ قعيدته لَكاعُ ! زينب:(دامعة) سامحك الله ياحسان ! أأنا لكاع ! أأنا لكاع !
أقوم على خدمتك ، وأرعى شئونك ، وأسهر على راحتك ، وأربي صبيانك ، وأقوم ببيتك ،
ثم تقابلني بهذا الوصف الوضيع ! حسان:(مندفعاً) أقصري أيتها المرأة ! وإلا قمت إليك وأدبتك!
(يهم بالقيام بسرعة ، فتهرب المرأة وتدخل حجرة الصبية ،تتبعها الإضاءة ،
تصفق على نفسها الباب وهي مذعورة ، أحد الأولاد يشعر بها ، من بين عدة
أجسام منحشرةتحت لحاف خلِق ، فيقوم إليها ويقول...) الصبي:(متحسساً أمه) مالك يا أماه ؟ صفعتِ الباب وأنت خائفة
! هل هناك لصٌّ بالبيت يتهددك ؟! زينب:(تهديء من روعها) لا يابني ليس لصاً ، ولا شيء هناك ،
نم يابني ، ولاعليك! الصبي: إذا لم يكن لصاً فلا يكون إذن إلا أبي ! عجباً لماذا
هذه الأصوات كل ليلة ؟ ألاينام في الليل مثل ما ينام الناس؟ زينب:(زاجرة) اسكت أيها الولد ، نم ، قلت لك لاشيء هناك ،
هيا نم ولاعليك. الصبي:(منصاعاً) حسنٌ ، سأنام ، ولكن أبي لايجعلنا ننام! (يعود المنظر إلى باحة البيت ، حسان قد أحضر قنينة
الخمر بنفسه ، بدأ يصب منها في كأسه). حسان:(متأملاً الكأس وفيها الشراب) صهباء معتقة! اتخِذت من قبل الطوفان بعشرة أعوام ،
وظلت حبيسة الدُّن على كر السنين والقرون ، ومع ذلك تبدو شابة فتانة ، ولونها
أصفى من عين الديك ، ولها حَبَبٌ يتطاير فينعش الروح قبل أن يخامر الروح.
ولها دبيبٌ في الجسم كدبيب البُرء في السقم ، وإن كان العكس هو الصحيح! (ينظر
إلى الجمهور بابتسامة ساخرة) وتنفث خدراً لذيذاً يسري في الجسم والمفاصل . . . . ( ثم ينهي تأملاته الشاعرية بتجرع عدة كؤوس منها . . .
يضع الكأس جانباً ، يبدو وكأنه يتنفس الصعداء ، يميل إلى نمرقة ممزقة جواره
فيتكيء عليها ، يمكث هنيهة وهو متكيء . . . . بعد فترة من الوقت يبدو أن الخمر
بدأت تعمل عملها ، يرفع رأسه ، وينظر نظرات حالمة ، بجفون مسترخية ، يغمض عينيه
بشدة ، ويفرك جبهته بيده ، يبدو أنه يشعر بصداع عنيف ، لحظات . . . تخف حدة
الصداع ، ويعود إلى حاله السابقة ونظراته الحالمة ، وجفونه المريضة ، يتمتم بفمه
كلمات مسموعة . . ) حسان:( لنفسه ، متأففاً) لحاها الله خَمرة يهود! (يبصق)
رأيتها في القناني الممشوقة فحسبتها أفضل من ذي قبل عندما كنت أشتريها في تلك
الأوعية القذرة المليئة بالشوائب والقذى، فإذا هي هي ! نفس الطعم ونفس القذارة!
مغشوشة محلولة! اختلف الشكل والمظهر لكن اتحد المحتوى والمخبر! (يشيربيديه) ماذا
أفعل؟ ماباليد حيلة! لم تمكنّي دوانيقي القليلة من سباء المُصَفَّاة العتاق ،
فانتكست إلى اقتناء الملوثة الزُعاق! شُلَّت يداك يانسطاس الخمار! أنت وشرابك
الرخيص المخلوط! اعتصرتك المنون! أنت وعصيرك الحازر الممجوج! تعطيني عصارة
الحصرم و تتستأثر بخلاصة الزبيب! تترشف الحبب ثم ترمي علي بالحثالة! (يشير
بوجهه) آه ، الآن فهمت! تريد أن تثأر لدريهماتك المتأخرة! وتنفس عن إحَنك
المترسبة! ( يشير بازدراء) ولكن هيهات! لقد أبعدت مرماك ، وجائت الأمور عكس
هواك! فلن تنال فلساً واحداً مني! خصوصاً مع تدهور الأجور وتتابع الأزمة والثبور
، نعم لتبقى هكذا ! تجتر غيظك عليّ ، حتى ينضج قلبك منه! نعم! لتخسأ أيها القذر!
آه ، اسكت! ... أراك تبتسم في سخرية! آه ماذا تقول؟ تظن أني لا أستغني عنك، وأني
لن ألبث أن أعود إليك ، وأني سآتيك متضرعاً متذللاً أستقرض بعض عصيرك واستمنحك
بعض خمورك وأنك ستطردني شر طردة ولن تسلفني البتة! لا ، لا. لا يا أيها العِلْج!
ليس الأمركما ظننت! لن أحتاج إليك! ولن أقف على بابك! لأني عندها سأحل ضيفاً على
ذلك الراهب المعتصم بديره . آه نعم ، عرفته إذن! نعم ذلك الراهب الذي يقطن بظاهر
البلدة بجوار ذلك التل الصغير ، يكفي فقط أن أنظف له حذائه أو أصلح بعض شأنه
ليترعني بعدة أقداح ، من تلك الراح. نعم ! أنت لاتعرفني حق معرفتي ، ولاتقدّرني
حق قدري! أنا حسان الإسكاف! كل الناس ، صغيرهم وكبيرهم ، غنيهم وفقيرهم ، وجيههم
ووضيعهم ينحنون إلى مصطبتي في ذلة وخضوع لكي أصلح لهم نعالهم! نعم! حتى
أميرالمؤمنين لايستغني عن صنعتي وخيوطي ومخارزي!... إذن بالله قل لي كيف يصلح
أخفافه المعقوفة الناصية إلى فوق والتي صنعها أساكفة الصين؟ ومن يصلح له ذلك؟
أليس حسان الإسكاف الذي يقعد في سوق البصرة ويسكن في محلة بني سعد؟ (بغيظ) تباً
إن الناس لاتقدرني حق قدري، ولاتدرك مكانتي ولاتعاملني بما أنا أهلٌ له.
(بأسف) حقاً ياللضياع! ويالضيعة الموهبة والإبداع! صدقوا ! لاكرامة لنبيٍ في
وطنه ، ولالمبدع في أهله! ولالكريم في قومه! أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم
كريهةٍ وسداد ثغر! واحسرتاه! (يهز رأسه إلىجانبيه متأسفاًويردد) أضاعوني وأي فتى
أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر (يردد بانسجام وتفاعل، يرفع صوته أكثر من ذي قبل،يبدو
أن المقطع حاز إعجابه ووافق هواه ، يواصل غنائه بترجيع وتلحين مختلط بالسُكار)
أضا..عوني ..وأي فتى أضا...عوا ليوم ك..ريهة وسداد... ثغر
......كأني ..لم أكن فيهم ..وسيطاً ...ولم تكُ نسبتي في آل عَمْرِ ... (يضيء جانب المسرح الذي نرى فيه جزاءاً من بيت أبي
حنيفة ... الصوت يصل إلى أبي حنيفه في بيته و قد فرغ لتوه من
صلاته ، يضم عباءته على نفسه ، ثم يشرع في التسبيح والذكر الذي يتلو كل صلاة
.....بعد وقت قصير ينتهي من تسبيحه ...) أبوحنيفة :(بأسى) لاحول ولا قوة إلا بالله ! إنا لله وإنا إليه
راجعون ! لم يزل هذا دأبه منذ جاورته وعرفته ، إذا جنه الليل وسكن إلى بيته بعد
أن سكنت المخلوقات ونام الناس وهدأت الرِّجْل يعمد إلى أم الخبائث وأصل الشرور ،
فيعكف عليها حتى يتحول إلى مجنون لاينام الناس من صوته وزعيقه ، ولا يهدأ الليل
من غنائه وترجيعه ! كان الله في عون زوجته وأولاده! إني لاتعجب كيف يتحملونه
ويصبرون عليه وهو على هذه الحال من مواصلة القصف والعربدة ! إني لأرثي له
ولأولاده ! (يتأثر أبوحنيفة ، ثم لايلبث أن يرفع يديه بالدعاء
....) اللهم اهدِ جاري المسكين فإنه من الجاهلين ! اللهم اهدِ جاري المسكين فإنه
من الجاهلين ! اللهم اهده إلى الصراط المستقيم واكشف مابه من البلاء والمعصية ،
وأنقذه من أم الخبائث واصرف عنه خُمارها وودها وأرشده إلى طريقك القويم ، فإنه
لايعجزك شيء في السموات ولافي الأرض . يارحمن يارحيم إنك على شيء قدير ! ( ينتهي
من دعائه ، ثم يقوم) (يخرج) .................................................... المنظر
الثالث (أبوحنيفة كعادته يصلي ليله .. يبدو أن وقت الفجر قد قرب وهو في آخر صلاته ..... يفرغ
من صلاته ويسلم ، يمكث وقتاً قصيراً يسبح ويذكر الله ويدعو بما شاء من دعائه .
ينتهي من ذكره ، يلتفت برأسه وكأنه تذكر شيئاً افتقده ...) أبوحنيفة : سبحان الله ، مضى أسبوعان وأنا لم أجد لجاري حساً ولم
أسمع له صوتاً ! وقد كان يمضي ليله في السكر والعربدة ، ويزعج النائمين بغنائه
وتخيلاته ! حتى أصبحت له عادة لاتكاد تفارقه عندما ينقلب راجعاً إلى بيته !
فلماذا انقطع عنها فجأة ؟ إني لأقضي العجب من ذلك ، سبحان الله ، إن له لشأنا ! ( يُسمع أذان الفجر منطلقاً من مآذن البصرة . بعد
نهاية الأذان يقوم أبوحنيفة مستنداً على عصا إلى جواره فيصلي نافلة الفجر .
ينتهي من النافلة ثم يمضي إلى المسجد ليؤدي فريضة الفجر) (يخرج) ................................................. (يبقى أبوحنيفة في المسجد بعد صلاة الفجر ، حيث يلقي
على تلاميذه درساً من دروسه اليومية ، يستمر الدرس حتى طلوع الشمس ، بعد ذلك
ينصرف أبوحنيفة عائداً إلى بيته، تضاء أنوار المسرح على الجزء الخاص ببيت أبي
حنيفة ، يبقى الجزء الآخر الذي يمثل بيت الإسكاف مظلماً . يدخل أبوحنيفة ) أبوحنيفة :(منادياً الجارية) يامرجانة ..... (تخرج مرجانة من إحدى الغرف ، في منتصف العشرينات من
العمر ، تميل بشرتها إلى السمرةالخفيفة المحببة ، معتدلة القامة ، رشيقة الجسم ،
خفيفة الحركة . عليها زي الجواري اللاتي يُتخذن عادة للخدمة ، وقد لفت شعرها
الذي برزت خصلات منه بملاءة من القماش الأحمر ، وشدت على خصرها نطاقاً أخضر ،
أظهر مايتمتع به من خفة ومرونة ) الجارية :(بصوت المستيقظ من النوم) نعم يامولاي ..... أبوحنيفة : هل استيقظ أهل البيت مبكرين ؟ الجارية : نعم يامولاي ، لقد استيقظوا مبكرين . هل لك من حاجة ؟ أبوحنيفة :(يتهيأ للجلوس) نعم يامرجانة لي حاجة أرجو أن تؤديها
أنت بنفسك ( يستوي جالساً) إن جاري هذا (يشير بيده جهة بيت الإسكاف) مضى أسبوعان
بتمامهما ولم أجد له حساً ، وله أولاد وزوجة بالبيت ، فلو ذهبتِ إليهم لتنظري لي
ماحالهم ، ولتستخبري لي عن أبيهم خاصة ، فلربما أصابه شيء أوحدث له مكروه . الجارية : سمعٌ وطاعة يامولاي ، ها قد ارتفعت الشمس ، وسأذهب
للتو . أبوحنيفة : عودي إليّ هنا ، فأنا منتظرٌ في البيت . (يدخل أبوحنيفة إلى إحدى الغرف ، تخرج الجارية . يظلم
جانب المسرح الخاص ببيت أبي حنيفة ، يضي الجانب الخاص ببيت الإسكاف ، يُسمع
طرقات على الباب ، تخرج زينب زوجة الإسكاف من إحدى الغرف ذاهبةً لتنظر من الطارق
، تفتح الباب فإذا مرجانة ، خادم أبي حنيفة ) مرجانة:(بلهجة رزينة) السلام عليكم . زينب:(باستغراب) وعليكم السلام .. من أنتِ ؟ وماورائك أيتها
المرأة ؟ مرجانة:أنا مرجانة ، جارية جاركم أبي حنيفة . زينب:(مطمئنة) أهلاً ومرحباً ، ما ورائك يامرجانة ؟ هيا
هلمي بالدخول ، لن تظلي واقفة هكذا ، ليس بالدار أحد إلا أنا والأولاد . مرجانة:(بطريقةمهذبة) معذرة إني في عجلة من أمري ،لا أستطيع
المكوث هنا ، لقد بعثني سيدي أبوحنيفة لأنظر حالكم ، وأستخبر له عن زوجك لأنه
افتقده منذ مدة . (الصِّبْية في الداخل كأنهم سمعوا بالصوت الغريب ،
فخرجوا إلى باحة البيت حيث الأم والجارية مرجانة واقفتين لدى الباب ، يأتون إلى
أمهم ويتحلقون حولها ليستطلعوا هذه الزائرة الغريبة ، وهم ثلاثة أولاد وبنتان) زينب:(متنهدة) ماذا أقول لك يامرجانة ! لقد مر أسبوعان
وزوجي غائب ، لا أدري أين هو . وكان قبل ذلك لايكاد يغيب يوماً واحداً ، لا في
سفرٍ ولا في غيره . ولا أدري ماأصابه ، وحدا به إلى مثل هذا الغياب . أبات كل
ليلة ساهرة أنتظره ، لأنه يعمل سحابة يومه ولايأتي إلا في الليل . ما أعظم ما
أقلقني وبرح بي غيابه بهذه الفجاءة! مرجانة:(مواسية) لاحول ولاقوة إلا بالله ، أعانك الله، وربط
على قلبك ، وردّ غائبك ! زينب:(مواصلة بنفس اللهجة) في كل مرة يسألني الصبية عنه
ولماذا غاب كل هذه المدة . مرجانة: ألم يأتك خبرٌ عنه ، ألم يخبركِ أحدٌ بشيء ؟ ألم تبحثي
عنه ؟ زينب: لم أجد خبراً أكيداً عنه حتى الآن . ولقد بعثتُ إلى
رفاقه الصُّناع فلم يفيدوني بشيء عنه ، وتجولت في السوق حيث كان يعمل فلم أجد له
أثراً ، وسألتُ أهل السوق عنه فقالوا بأنهم لم يروه منذ غيابه ، ولا يدرون مصيره
. (تطفر منها دمعة) وأخشى ماأخشاه أن تكون اصطلمته جائحة ، أو غرق به مركب ، أو
قتله اللصوص وهو ذاهب في بعض شأنه . ( ضارعة) واحساناه ! فداك أبي وأمي ! سلّمك
الله من كل مكروه! (مواصلةحديثها) ولا أستطيع الخروج للبحث عنه في محالِّ البصرة
، حتى يَقْدم أهلي من الكوفة فيبحثوا عنه . مرجانة: هل يعني هذا أنك لم يصلكِ خبرٌ عنه البتة ؟ زينب: ليس هناك خبرٌ أكيد يقودني إلبه ، كل ما وصلني هو
تخرصات وظنون من مثل تلك التي ذكرت . وكل ذلك زاد في همي وحزني ، لقد بدأت أحس
مرارة الفقد والثكلان .(أصغر الأولاد ينحشر إلى حجر أمه وينظر ببلاهة إلى
الجارية ، الأم تمسِّد رأسه بحنان ) مرجانة: هكذا إذن ، كلها أقوالٌ غير مطمئنة . زينب: هذا ماسمعت ، وما خطر ببالي لأول وهلة ! أرجو من
الله أن تخيب كل هذه الظنون وأن يعود إلينا سالماً . واحساناه . . . .
.(تسكت لثوانٍ ثم تواصل كمن تذكرشيئاً) لكني سمعتُ بأن. . . . مرجانة:(باهتمام) عجباً ماذا سمعتِ ؟ هل وصلتك أنباء أخرى ؟ زينب:(بشيءٍ من الحرج والتردد) لقد سمعتُ ....عجوزاً
البارحة ...تذكر أن...... ابناً لها أخذه العسس منذ... منذ أيام ، وأخذوا معه
اثنين أوثلاثة آخرين . والذي أعلمه جيداً أن زوجي ليس له علاقة بهذا الابن ، ولا
تربطهما معرفة ، لأن زوجي إسكاف ، وابنها نجار . بيد أني لا أعلم علم اليقين إن
كان حقاً من أولئك النفر أم لا ؟ مرجانة: فهمت... وكيف حالك وحال الأولاد ؟ زينب: أما حالي فكما ترين وكما قلت لك ، وأما الأولاد فقد
تدهورت حالتهم من سيء إلى أسوأ ، بعد غياب أبيهم ، وانقطاع القوت الذي كان يوفره
لهم ، ونفاد خبز الشعير الذي كنت أدقه لهم ليطعموه . مرجانة: حسنٌ ، إني ذاهبة الآن ، واسأل الله أن يرد غائبك ،
ويطعم عيالك . وسأخبر سيدي بما قلت . زينب: جزاك الله خيراً وأحسن إليك ! الجارية :(منصرفة) أستودعكِ الله ، السلام عليكم . زينب: وعليكم السلام ، في حفظ الله ورعايته . ( تخرج الجارية من بيت الإسكاف ، وتعود إلى بيت سيدها
أبي حنيفة . أبوحنيفة جالسٌ في فنائه ، مسنداً ظهره إلى جدار إحدى الغرف المطلة
على الفناء ، تدخل الجارية ..) الجارية : السلام عليكم يامولاي . أبوحنيفة :(بتلهف) وعليكم السلام ورحمة الله ، ها ، هل جئت بخبر
عن جاري ؟ الجارية : نعم يامولاي . أبوحنيفة : هل هو موجود ؟ هل هو مريض ؟ الجارية : لا ، ليس كذلك يامولاي . أبوحنيفة : ما به إذن ؟ أخبريني يا مرجانة ؟ الجارية : إنه غائب منذ مدة . أبوحنيفة : لقد صدق حدسي إذن ! ليس بالدار .( يصمت لحظة) وأين
ذهب ؟ هل وجدوا له من خبر؟ الجارية : ليس هناك خبرٌ يقين عنه حتى الآن . أبوحنيفة : عجباً كيف اختفى بهذه الصورة المفاجئة ! الجارية : لكن زوجته تقول بأنها ...... أبوحنيفة :(منتظراً) نعم يا مرجانة هل سمعت شيئاً ، مالكِ سكت ؟
هل أسرّت إليكِ بشيء ؟ الجارية :(بتحفظ) لالم تسر إلي بشيء ، لكنها تقول بأنها سمعتْ
أن العسس أخذوا نفراً من الرجال في بعض الليالي ، ولاتدري إن كان زوجها في
عدادهم أم لا . أبوحنيفة :(كمن بدأ يفهم) آه ، هكذا إذن ، أحسنت صنعاً يامرجانه
. وماذا عن أهله وأولاده بعد هذا الغياب ؟ الجارية :(تخبره بكل ماقالته المرأة عنها وعن أولادها ) أبوحنيفة :(مندهشاً) يا ويح أبي حنيفة ! صبيان جاري يتضورون
جوعاً وفي بيتي شيء من مطعوم ! (مخاطباً الجارية) هيا يامرجانة اذهبي إلى المطبخ
واحملي ماتجدين فيه من طعام وخذيه إلى أهل جاري حسان ، وأعيني المرأة على صنعه
وأصلحي من شأن الأولاد . الجارية : (ببعض الانشغال) الآن يا مولاي .. أبوحنيفة :(مستغرباً بلطف) ومتى إذن ؟ بعد أن يموتوا جوعاً !
(بلهجة هادئة) هيا اصنعي ماقلت لك ، وسأذهب أنا لبعض شأني . ( تذهب الجارية إلى المطبخ ، ويخرج أبوحنيفة ، ويسدل
الستار ) ................................................. المنظر
الرابع (المنظر في دار الإمارة بالبصرة . يزاح الستار عن
ديوان كبير متوسط الفخامة ، يحتل أنحائه عدد من قطع الأثاث والرياش المختلفة ،
حيث بدى في الوسط كرسي الأمير تظلله ستارة مخملية ، وإلى قريب منه اصطفت مقاعد
عريضة إلى اليمين واليسار وهي مخصصة لجلوس حاشيته ومريديه ، وفي المركز بين هذه
المقاعد وضعت بعض المناضد الصغيرة ، استقرت فوقها أوعية نحاسية من تلك التي
تستخدم عادة في الخدمة ، ألى أقصى اليمين من ذلك كله نرى مدخل الديوان المفضي
إليه ، وقد انتصب إلى جانبه حاجب بزي المقاتِلة ، معتمراً خوذته المعدنية
ومعتمداً رمحه الطويل ومنتطقاً سيفه ذي القُراب. . . .نشاهد الأمير مزروعاً في
كرسيه ، وهو رجلٌ ربعة من الرجال ؛ ليس بالطويل ولابالقصير ، في حوالي الخمسين
من العمر ، موفور القوة ، مجتمع الخلقة ، توحي قسمات وجهه بأنه يتحلى بقدر
من الحزم ورباطة الجأش ، تغطي ذقنه لحية سوداء قصيرة ، وتحيط بجبهته عمامة
معصفرة ، من قصب ، مرتدياً بُردا من برود اليمن ، وهو مشغولٌ في رُقعة يقرأها ،
في حين انتظم على المقاعد أمامه جوقةٌ من حاشيته المألوفة لديه .... لعل من
أبرزهم صاحب شرطته ، الذي جلس عن يمينه . . .نلاحظ علامات الاستياء والتمعر في
وجه الأمير كلما أمعن في القراءة ، الحاضرون ينتبهون لهذا التغير الطاريء بسبب
هذه الرقعة التي بين يديه ، ويستعدون لاستكناه ماجاءت به . يدفعهم الترقب إلى
التفكير في ردود مناسبة تعقيباً على ماقد يكون في الرقعة من أخبار مقلقة لراحته
. بعد وقت قصير ينهي الأمير قراءته وينظر أمامه بنظرات غيرمستقرة ..... ) الأمير:(متأففاً) تباً لهم من عصاة ! ما إن ننتهي من
خوارج بني مازن حتى يأتينا لصوص بني أسد ! (يشير بالرقعة) هاهو صاحب الخبر
ينبئني عن هجوم زمرة من قطاع الطرق على السابلة في الليل وقتلهم لرجلٍ طمعوا
فيما معه ، ياللهوان ! أليس لهولاء الفساق من يؤدبهم ويكبح جماحهم ويقطع أذاهم ؟
صاحب الشرطة : (محرجاً) مولاي ، لقد جردتُ عليهم رجالي في أكثر من
موقعة ، ونصبنا الكمائن في كل مكان ، ولكنهم في كل مرة نباغتهم يتفرقون في مسالك
الأرض وتبتلعهم مجاهل الصحراء . ولقد طلبناهم مرة لمدة ثلاثة مراحل كاملة حت
وصلنا رمال بني سعد ،وكدت أهلك أنا ورجالي في تلك المفاوز التي لاظلٌ ولاماء ،
ولا عَلَم ولادليل. يضيع فيها الخرِّيت ، وتتقطع من ظمأها الإبل . الأمير : قاتلها الله زمرة الباطل ، وأعوان الشيطان ! سأتولاهم
أنا بنفسي ، وسأردهم إلى جِحَرتهم التي خرجوا منها في مضارب الريان والدَّخول
وحومل ! تباً لهاتيك العُريب ! أما لها من رادع ؟ أحد الحضور:(معقباً) لاتحمل هماً أيها الأمير، سييستأصل الله
شأفتهم ويقطع دابرهم ويريح الناس من شرهم ، ويشفي قلوب قومٍ آخرين . الأمير: سأشرع إن شاء الله من الغد في تدبير خطة للقضاء عليهم
وجعلهم عبرة لغيرهم. ( أقصى يمين المسرح نشاهد أباحنيفه وهو يهم بالدخول و
يكلم الحاجب الواقف لدى الباب ) أبوحنيفة : السلام عليكم . الحاجب: وعليكم السلام ورحمة الله . أبوحنيفة : قل لي رحمك الله ، هل الأمير موجود في ديوانه الآن ؟ الحاجب: نعم . أبوحنيفة : إذن فقل له أبوحنيفة يستأذن بالدخول . (يذهب الحاجب فيدخل إلى ديوان الأمير ، ويقترب من
مجلسه في انضباط وثبات ) الحاجب: مولاي الأمير ! الأمير:(ملتفتاً نحوه) نعم ، ماوراءك أيها الحاجب ؟ الحاجب: بالباب أبوحنيفة الفقيه ، وهو يستأذن مولاي بالدخول . الأمير :(متفاجئاً) من ؟ أبوحنيفة ؟ ... أبوحنيفة بالباب ؟
وماذا تنتظر أيها الحاجب ؟ هيا اسمح له بالدخول . (أبوحنيفة يدخل إلى الديوان في وقار وجلال محتفظاً
بهييبته ومشيتة ) أبوحنيفة : السلام عليكم أيها الأمير . الأمير : وعليكم السلام يا أباحنيفة . أبوحنيفة : كيف حالك أيها الأمير ؟ الأمير: بخير والحمد لله ، لقد شرفت دار الإمارة ومن فيها
بحضورك وقدومك علينا ، وإنها لساعة عظيمة ان نراك هنا في زيارتنا يا أبا حنيفة . أبوحنيفة : جوزيت خيراً أيها الأمير . هذا من طيب معدنك وحسن
ترحيبك . الأمير : تفضل بالجلوس يا أبا حنيفة .
(يجلس أبوحنيفة) أبوحنيفة : بارك الله فيك . لن أطيل بجلوسي أيها الأمير ، فقد .... الأمير :(مقاطعاً بتؤدة) كيف تقول ذلك يا أباحنيفة ؟ إنها
لفرصة كبيرة بالنسبة لي أن تكون أحد جُلسائي ، وأني لمغتبط جداً أن أكون
موجوداً في مجلسٍ يضم أبا حنيفة ، عالم القرآن وفقيهه. أبوحنيفة :(مبتسماً) غفر الله لك ورحمك ، ماكلُّ هذا الإطراء ؟
فإنما أنا رجلٌ من عرض الناس وسوادهم ! الأمير :(يشير بيده) لا يا أباحنيفة ، ليس الأمر كذلك ، إن
للعلم مكانة ومنزلة بين الناس كما تعلم أنت . أبوحنيفة :(محتفظاً بابتسامته) وفّقنا الله إلى صالح العمل. أرجو
أيها الأمير ان تدعنا من المراء والنقاش الآن . لقد جئتُ إليك في حاجة تخص ..... الأمير :(مقاطعاً) حوائجك مقضية ياأبا حنيفة قبل أن أنظر فيها
وقبل أن تشرع أنت في عرضها . أبوحنيفة : بارك الله فيك ، إني لم أتم كلامي بعد .. الأمير : ليكن ذلك في علمك من البداية يا أبا حنيفة . أبوحنيفة : أيها الأمير ، والله ما جئت إلي بابك لحاجة في لنفسي
أو لخاصتي ، لأن حوائجي احتفظ بها لنفسي وأبوح بها لمن هو أعلم بحاجتي وفقري مني
. الأمير :(متأملاً الكلام برهة) أعلم ذلك جيداً يا أبا حنيفة
(يهز رأسه موافقاً) إنما نحن خلقٌ ضعاف . أبوحنيفة :(متماً كلامه) ولكنها حاجةٌ من صبية صغار وزوجة مسكينة
ينتظرون عائلهم الغائب متى يرجع إليهم . الأمير : آه فهمت الآن . . (يصمت) ... وأين عائلهم يا أباحنيفة
؟ أبوحنيفة: لقد اختفى منذ أكثر من أسبوعين ، وبحثت عنه زوجته كل
هذة المدة ولم تجد له أثراً ، وأخيراً تناهى إلى سمعها أن العسس ربما أخذوه
ليلاً وأودعوه السجن . الأمير : وكيف عرفتَ ذلك يا أبا حنيفة ؟ أبوحنيفة: إنه جاري لصيق داري ، واسمه حسان . الأمير :( إلى صاحب الشرطة ) هل أودعتم أحداً السجن منذ تلك
المدة ياصاحب الشرطة؟ صاحب الشرطة : نعم يامولاي ، لقد قبضنا على حفنة من
الصُّناع وجدناهم مجتمعين في سقيفة بأطراف البلدة في هيئة مريبة، وذلك بعدما
أصدرتم أمراً يقضي بحظر الدَّلَج . (التجول ليلاً ) الأمير : لك ذلك يا أبا حنيفة ....(للحاجب) أيها الحاجب ! (يأتي الحاجب) الحاجب:(بكل خضوع) لبيك يا مولاي .. الأمير : أطلق كل من قُبض عليه في تلك الليلة إكراماً لأبي
حنيفة ومجيئه إلينا بنفسه . أبوحنيفة: بارك الله فيك وأصلح شأنك ، هذا ما أمّلته فيك ورجوته
من قدومي عليك. الأمير : كيف لا أنزل عند رغبتك وأنا أعلم أنك ما جئتَ إلا لخير
الناس قبل خير نفسك؟ فوالله ماجائني غيرك إلا ويريد أن يكسب لنفسه شيئاً قبل
غيره ؛ ينتظر مالاً أرفده به ، أو جاهاً أخلعه عليه ، إلا أنت يا أبا حنيفة . الحاجب :(يدخل) سيدي الأمير ، ها قد أفرجنا عن أولئك النفر
السجناء . الأمير : هل بينهم رجلٌ يدعى حسان ؟ الحاجب: نعم يا مولاي . هاهو حسان صاحب أبي حنيفة . الأمير : حسنٌ أيها الحاجب ، إئذن له بالدخول . (يخرج كل من على خشبة المسرح ويبقى أبوحنيفة في مجلسه) ....................................................... المنظر
الخامس (أبوحنيفة جالساً ، يدخل حسان الإسكاف ) حسان :(في مشهد درامي مؤثر) من ؟! أبوحنيفة !! أبوحنيفة :(هاشاً) مرحباً يا حسان ، لكم أنا سعيد بإطلاقك . حسان :(تكاد الدهشة تعقد لسانه) أأنت أبوحنيفة ؟ أكاد
لا أصدق ما أرى . أبوحنيفة :(مبتسماً) ولمَ لاتصدق؟ أنا جارك أبوحنيفة ، حمداً لله
على سلامتك . حسان : هل جئتَ إلى هنا لإطلاقي ؟ أبوحنيفة : ماجاء بي إلا هذا رحمك الله ، والآن دعنا نترافق إلى
البيت . حسان : يا للدهشة !! أبوحنيفة : عجباً لك ياحسان ، ولمَ الدهشة ؟ وأنا جارك ولصيق دارك
، هل في الأمر غرابة ؟ حسان :هل أنت متأكدٌ أنك ما جئت إلى هنا إلا لإطلاقي ؟ أبوحنيفة :(صابراً) آه ياحسان ، ما لزوم كل هذا الجدل !
أخبرتك بالأمر مراراً ، هيا يابني لنذهب إلى البيت فزوجتك وأطفالك على أحر من
الجمر في انتظارك. حسان :(يجثو على ركبتيه متأثرا) يالي من مجرم ! يالي
من فاسقٍ أثيم ! ياللعار ! أبوحنيفة :(يلحظ تأثره ، ويتوجه إليه مهتماً) ما هذا يا
بني !! حسان :(متابعاً) كم أنا مجرم ٌ وأثيم ! أنت تعرف أني ماجيء
بي إلى السجن إلا لأني فاسق سكيرٌ عربيد ! أبوحنيفة :(مُطمْئِناً) على رسلك يابني ، اهدأ واضبط من
نفسك، لا داعي لمثل هذا الكلام الآن ، أنت رجل كبيرٌ وعاقل ، ولا بد أن يكون
لديك شيءٌ من الحزم والرزانة . حسان :(بألم) إني لا أتصور أن تأتي لتسعى في إطلاق
سراحي بعدما كدرت عليك صفاء ليلك، وأفسدتُّ عليك خلوتك ومناجاتك وعبادتك . أبوحنيفة :(بضحكة خفيفة ، كمن يريد أن يداري شيئاً) إيهٍ
يابني ، رحمك الله ، إني لم أجد منك إلا كل خير! لاتُحمِّل المسألة أكثر مما
تستحق .لم يكن هناك لاخلوة ولامناجاة ولاصلاة تُذكر. وطوال نومي لم أسمع من جهتك
شيئاً . حسان :(مشيراً بأصبعه) أنت آخر شخص بالبصرة أتوقع أن يأتي
لإخراجي ! أبوحنيفة :(مسفهماً) عجباً ، سبحان الله ! وكيف ذاك ؟ هل فعلتُ
شيئاً بحقك ؟ مما قد يغيرك نحوي أو يلحق بك أذى ؟ حسان : لا ، ليس ذاك ، ولكني ،كما تعلم أنت ، سكير عربيد
زنديق ..... أبوحنيفة :(مقاطعاً) حسان !.. بالله عليك تمالك نفسك ، ما هذا
الذي تقول ؟!! حسان :(مواصلاً بنفس اللهجة) نعم هذا ما أقوله ! أنا سكير
عربيد زنديق وأنت رجلٌ شريف وعالم ٌ وفقيه ! كيف تأتي لإخراجي من السجن وقد
علمتَ ذلك من قبل ؟! أبوحنيفة :عجباً ياحسان ! ماكلُّ هذا الإطراء لشخصي ، والتنقص
والتشويه لشخصك؟! حسان : هذه هي الحقيقة ، أليس كذلك ؟ أبوحنيفة :(مشيراً بيده) أرجوك ياحسان ، أنت رجلٌ مؤمن ، أقلع عن
هذه الأفكار والوساوس ! ثم ألسنا جيران منذ زمن طويل ؟ ألسنا نتقابل كل يوم في
نفس الطريق ، وعند الباب ، عندما نعود في المساء ؟ أليس داري لصيق دارك ، وبابي
رصيف بابك ، وعيالي أتراب عيالك ؟ أنسيتَ ذلك يا حسان ؟ حسان : لا ، أفهم ذلك كله . لكني فقط أريد معرفة شيء واحد ؟ أبوحنيفة :(متنهداً) لا إله إلا الله ، وما هو ياحسان ؟ حسان : كيف تتجشم المجيء والتماس إطلاق سراحي وأنت
تعلم علم اليقين ما أنا عليه من الموبقات ومعاقرة المسكرات ، وإقلاق راحتك كل
ليلة عندما تخلو إلى ربك ؟ أبوحنيفة :سبحان الله ياحسان ! إذن مادمت
مصراً ، فلتعلم أولاً أنك جاري ، والجار وخصوصاً القريب له حقوقٌ كثيرة على جاره
، لعل من أيسرها ما قمتُ به ، ثم ما ذكرتَه عن نفسك ليس نهايةً في حد ذاته ! حسان :(منتبهاً إلى الملاحظة الأخيرة) وكيف ذاك يا أبا
حنيفة ؟ أبوحنيفة:(مؤكداً) أقصد في ذلك ، وأرجو أن تفهمني جيداً ،
أن رحمة الله ومغفرته أوسع مما تظن بكثير ...(يصمت قليلاً) ... بإمكانك التوبة
والإقلاع عما كنتَ عليه . يجب أن تعلم يابني أن الله يقبل التوبة عن عباده ،
وباب التوبة مفتوحٌ للمرء إلى أن يُختم عمله وتخرج روحه . ولا تيأس من ذلك أبداً
، يمكنك بدء حياة جديدة وطي صحائفك السابقة ، لأن التوبة تجبُّ ما قبلها ، كما
ثبت ذلك . هيا يا بني ، لتذهب إلى زوجتك وأطفالك ، فهم في أشد الشوق إلى لقائك . حسان :(ينهارإلى الأرض منتحباً)
لشد ما أشعر بالإثم والخطيئة لما فعلته في حقك ! أبوحنيفة :(منحنياً إليه) ما هذا يابني ! لاحول ولا قوة
إلا بالله ، إنما أنا مخلوق من عرض مخلوقات الله ! وإن كان هناك شيء فيجب أن
تستغفر مما فعلته في جنب الله وتطلبه الصفح والعفو عن ذلك . حسان :(محاولاً تقبيل يده) سامحني عما فعلته إزاءك ،
من إزعاجك في بيتك ، ثم عنائك ومجيئك إلى هنا بسبببي . أبوحنيفة :(يسحب يده. بعطف وهدوء) أطلب السماح والعفو من
الله سبحانه ، فإنه وحده هو الغفور الرحيم. حسان :(رافعاً رأسه) إذن لتسمعني يا أبا حنيفة ، ها أنا ذا
أعاهد الله أمامك ثم أعاهدك على ألا أعود إلى شرب الخمر أبداً ، وأن يكون آخر
عهدي بها ما أُخذتُ بسببه . أبوحنيفة :(مبتهجاً) بارك الله فيك ياحسان! هذا ما أمّلته فيك
ورجوته من مجيئي إليك، ثبتك الله على ذلك . حسان :(ممتناً) جزاك الله خيراً وشكر لك ! سأطوي صفحة سوداء
من تاريخ حياتي بفضل الله ثم بفضلك . أبوحنيفة : اقبرتلك الأيام وابدأ حياة جديدة من الآن،وفقنا الله
وإياك إلى صالح الأعمال! هيا يا بني ، عيالك في انتظارك منذ غيابك المفاجيء
لأكثر من أسبوعين . ( يخطوان بضع خطوات إلى الخارج . يتوقف أبوحنيفة
ويلتفت إلى حسان ، ويقول بلهجة محببة ، متوجة بابتسامة... ) أبوحنيفة : والآن ، هل أضعناك يا فتى ؟ حسان :(يفهم الإشارة ، وبلهجة
واثقة) لا ، بل حفظتَ ورعيتَ ، فجزاك الله لقاء ما صنعت يا أبا حنيفة ! |