الكذاب -   مسرحية  -   صالح المطيري ، المدينة المنورة 1420هـ

 

قائمة الأشخاص:

 

أولاً :1- سليمان بن صرد الخزاعي

2- المسيب بن نجبة الفزاري

3- عبدالله بن وال التيمي

4- رفاعة بن شداد البجلي

5- عبدالله بن سعد الأزدي

 

ثانياً: 1- مصعب بن الزبير

1- عبدالله بن يزيد الأنصاري

2- إبراهيم بن محمد بن طلحة

 

ثالثاً: المختار بن أبي عبيد الثقفي

عبدالله بن كامل الشاكري

ابراهيم بن الأشتر النخعي

زربي:  غلام المختار

الأحمر بن شميط

 

رابعاً: عبيدالله بن زياد

الحصين بن نمير

عمير بن الحمام

شمر بن ذي الجوشن

عمر بن سعد

خولي بن يزيد الأصبحي

سنان بن أنس

سراقة بن مرداس البارقي

 

مكان المسرحية: تدور أحداث المسرحية في الكوفة والبصرة ومناطق عراقية أخرى

زمن المسرحية: العقد السابع من القرن الأول الهجري

 

"عن إبراهيم النخعي قال: سألت عبيدة السلماني عن المختار أهو منهم (أي الدجاجلة)؟ فقال: أما إنه من الرؤوس!"

رواه أبي داود في سننه

بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين

المنظر الأول

ديوان والي الكوفة من قبل ابن الزبير  حيث يظهر الوالي نفسه عبدالله بن يزيد الأنصاري وصاحب خراجه ابراهيم بن طلحة وفي حضرتهما بعض سادات العرب في وقد توسطهم شبث بن ربعي أحد رؤوس مضر في العراق..)

عبدالله: لقد سمعنا أنه توجه إلى وجوه أصحاب سليمان بن صرد يدعوهم لنفسه.

شبث: هذا ما وافاني به غلماني البارحه، وأنا مجتمع  بوجوه الكوفة.

إبراهيم: وماذا يريد منهم أبو إسحاق من دعوتهم لنفسه؟

عبدالله: ألم تعي مراده يا سليل طلحة؟

إبراهيم: أيستعين بهم وقد فلّتهم جيوش ابن زياد وكادت أن تبيد خضراءهم لولا أن انشمرت طائفة منهم يقودهم ابن شداد البجلي، فكر راجعا بفله إلى الكوفة؟

شبث: إنهم ليسوا وحدهم يابن طلحة! أنسيت مواليهم بالعراق؟

إبراهيم: تباً لهم من موال إذن، نربيهيم بين أظهرنا ونقاسمهم فيئنا ونغذوهم ميرتنا ثم هم يثورون علينا!

شبث: هذه صفة عبيد السوء والذين يرتعون في المصرين وينتظرون المختار!

عبدالله: على رسلكم يا رجال، لقد أحكمنا عليه السجن إحكاماً ومع ذلك ما زالت كتبه تترى إلى أتباعه من أهل الكوفة ..

إبراهيم: كيف تسربت هذه الكتب وقد حزناه في سجن القصر!

عبدالله: (يريهم رقعة) انظروا إلى هذه! إنها نسخة من كتابه الذي أرسله إلى أصحابه بالكوفه وقريء على ملئهم في مسجدهم!

شبث: لقد تنمر أبو إسحاق وأصبحت كتبه تقرأ على الملأ وهو قابع في سجن الأمير!

(يدخل الحاجب )

الحاجب: مولاي، بالباب رسول يقول إنه قادم إليك من ابن عمر.

عبدالله: من ابن عمر ! وماذا عساه يريد أبو عبدالرحمن؟ إيذن له.

(يدخل الرسول ومعه رسالة)

الرسول: السلام عليك أيها الأمير!

عبدالله: وعليكم السلام ورحمة الله؟ أمن أبي عبدالرحمن أنت؟

الرسول: نعم أيها الأمير وقد أمرني بأن أسلمك هذا الكتاب منه (يناوله الكتاب)

الأمير: أديت ما عليك، فانصرف راشداً وبلغه سلامي.

ينصرف الرسول

عبدالله: (يفض الكتاب) ترى ماذا  يريد في هذا الكتاب؟ (يقرأ) "إلى عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن طلحة أما بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار من الصهر والذي بيني وبينكما من الود، فأقسمت عليكما بحق ما بيني وبينكما لمّا خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا ، والسلام عليكما ورحمة الله. (ينتظر ملياً....) انظروا إلى هذا يا رجال! لقد جاءني بشفيع لا أستطيع رده!

شبث: هذا لعمري أمر لا ينادى وليده! لقد عرف المختار من أين يأتيك. فرماك بأبي عبدالرحمن!

ابن طلحة: إنه شكى سجنه إلى ابن عمر وتوسل إليه بالصهر الذي بينه وبينه ، فإن أخته صفية تحت أبي عبدالرحمن.

عبدالله: ولكن كيف أطلقه وهو يحزب أتباعه لينتقض علينا، وكتبه تترى إلى من شايعه من العرب والموالي.

شبث: قاتله الله من رجل، أي مسعر حرب ومقارع أعداء هو!

(يدخل رفاعة بن شداد أحد أصحاب المختار)

رفاعة: السلام على الأمير

عبدالله: وعليكم السلام ، ما وراءك يا بن شداد!

رفاعة: ما زلنا  أهل الكوفة نراعيك وننظرك وأنت محتجز سيد من ساداتنا في سجنك من غير ما أحدث شيئاً أو ألب عليك!

عبدالله: كيف لم يحدث شيئاً أو يؤلب أحداً وكتبه تقرأ في مسجدكم صباحا وعشياً‍‍ ‍‍

رفاعة: إننا لا شأن لنا بكم وليس بيننا وبينكم ترة أو ثأر.

ابن طلحة: وماذا يريد المختار إذن من جمعه وتأليفه وقضه وقضيضه‍

رفاعة: نحن ما نريد إلا قتلة الحسين رحمه الله.

عبدالله: فأنا قتلت الحسين؟ لعن الله قاتل الحسين، لماذا لا تذهبوا إلى قاتل الحسين بأنفسكم ، ها هو ابن زياد قد أقبلت جموعه من أطراف الشام فلماذا لا تذهبوا وتقاتلوه.

رفاعه: ها نحن أيها الأمير قد ...

عبدالله: (مقاطعا) إني لأعرفكم جيداً يا أهل الكوفة بأسكم بين أنفسكم شديد، وعلى عدوكم ضعيف، قد رضعتم الشقاق والانتقاض من لبان أمهاتكم، وربيتم في أكناف الفتنة وغذيتم من ثمارها‍، تباً لكم حلفاء السوء‍ وفرسان الدعة‍، أفي كل عام ينجم فيكم ناعق إلى الفتنة فتنعطف إليه أعناقكم وويتبعه مواليكم فيحوز سوادكم، ثم نأتي نحن ففنقذكم من عبيدكم أن يستبيحوا حريمكم ويخرجوكم من بيوتكم!

رفاعة: (غاضباً) على رسلك يا بن يزيد فما جئت إلى هنا لتسمعني مقالة السوء أمام أناس من أشراف المصر!

شبث: لا ضير عليك يا بن شداد ما دمت قد نفضت يديك من أبي أسحاق وخلعت بيعته التي تبثها فيكم كتبه كل ليلة!

رفاعة: إننا لنرجو منك يا أيها الأمير أن تطلق أبا إسحاق ما دام أنه لم يشنؤك في شيء.

عبدالله: هيه يا بن شداد، هذا أمر ننظر فيه ألف مرة قبل أن ننفذه ! وهو من شأننا نحن ، فانصرف إلى بيتك وأهلك ودع أمر أبي إسحاق إلينا.

رفاعة: أيها الأمير رغم ما أسمعتني أمام وجوه العرب في مجلسك فإنني لا زلت أكيرك في نفسي ، وأستشرف أن تمن عليه فإنه لن ينشب أن يكون واحداً من وجوه رعيتكم.

عبدالله: لا ضير يابن شداد، سنبت في الأمر بأنفسنا، فانصرف إلى قومك، ودعك من أبي إسحاق إن آثرت السلامة، ثم قل لي بربك كيف تأتي وتقول إنه موادع ومسالم، وحراسي ينبؤوني بأسجاعه التي يلقيها في سجنه، أتدري ما يقول

رفاعة: (يصمت)

عبدالله: إنه ما عتم يردد: ورافعة ذيلها ، وداعية ويلها ، بدجلة أو حولها!

(ينتظر رفاعة  هنيهة ثم ينصرف من المجلس)

 

عبدالله: إن أشد ما يهمني أمره لهذا الكتاب من ابن عمر، فماذا ترون يا رجال؟

ابن طلحة: ماذا لو أخذتم عليه العهود والمواثيق بألا يحدث حدثاً أو يؤلب علينا أحداً

(يتأمل ابن طلحه الاقتراح برهة، ثم ينظر إلى شبث)

عبدالله: ما تقول يا بن ربعي؟

شبث: لا أستطيع أن أضمن لك ذلك وأشير  عليك به، ثم أجد ان الأمور لم نكن على ما ظننا من أبي إسخاق.

عبدالله: ليس لي إلا أن أفعل، وإلا وجد ابن عمر في نفسه تنصلي من إجابة مراده.

شبث: ولكن أنى لك أن تضمن عدم انتقاضه ، وقد عرفته جيداً وخبرت حيله وأساليبه ، ومكره ودهائه.

(يفكر عبدالله طويلاً ثم لا يلبث أن يرفع رأسه قائلاً)

عبدالله: لا مناص من الرضوخ لرغبة ابن عمر، لكني سأتخذ تدابير لضمانه، أيها الحاجب

(يظلم المسرح وتقفل الستارة، يمضي وقت قصير فتفتح الستارة فنرى نفس المجلس السابق بأشخاصه ، وقد أحضر المختار بن أبي عبيد وهو رجل ضخم الجثة، عظيم المنكبين، ذا لحية وافرة، ووجه عريض ذو ملاح تدل على مقدار ليس بالبسير من الدهاء والمكر والحيلة، وهو موثق بالحديد وقد جلس أمام الأمير).

عبدالله: ها أنت أمامي الآن يا مختار، وأمام وجوه العرب وسادة المصر، وقد جاءني من ابن عمر كتاب يلتمس إطلاقك، فهل تعطينا المواثيق المغلظة بالله الذي لا إله إلا هو علم الغيب والشهادة على ألا تبغينا غائلة ولا تخرج علينا ما كان لنا سلطان ، بعد إذ مننا عليك وأطلقناك،  فإن أنت فعلت فإن عليك ألف بدنة تنحرها لدى رتاج الكعبة ومماليكك كلهم ذكرهم وأنثاهم أحرار؟

المختار: (ينظر في الحاضرين) جزى الله أبا عبدالرحمن خير الجزاء! إنني أيها الأمير لما آتي جريرة أو أحدث حدثاً لأبقى في حبسك وتشترط علي هذه اليمين المغلظة.

عبدالله: يا مختار إفهم إذا أدلي عليك، هل تضمن لي ما قلت لك وتؤدي الأيمان المغلظة عليه؟ أم تعود إلى سجنك وأكتب إلى أبي عبدالرحمن بحقيقة ردك ورفضك؟

المختار: (يفكر) ... أيها الأمير إذا كان هذا شرطاً لخلاصي فلا محيص من تأديته.

عبدالله: إذن أقسم بما قلت لك!

المختار: إني أعطيك اليمين والعهد والميثاق بذلك. هل اكتفيت؟

عبدالله: بماذا؟

المختار: بألا أخرج عليكما، أو أجمع عليكما جمعاً أبغيكما غائلة.

عبدالله: هل شهدتم يا سادة المصر بما أقسم به أبو إسحاق؟

(ينظر الحاضرون إلى بعضهم، فيتقدمهم شبث)

شبث: نعم شهدنا أيها الأمير!

عبدالله: هيا يا غلام فك قيده وأطلق سراحه.(يفعل الغلام ما أمر به) إيه يا مختار! انصرف إلى بيتك وإياي ووساوس الشيطان!

المختار: نعوذ بالله من الشيطان! ومن الخيبة والخسران، وأن نبوء بعد النصرة بالنكس ولخذلان! (ينصرف المختار، وكلماته ترن في مسمع الحضور وخاصة الأمير نفسه)

(يظلم المسرح وتغلق الستارة، ثم تفتح من جديد فنرى المختار جالساً في ديوانه الذي في بيته وقد اجتمع حوله رهط من شيعته أتباعه ومنهم عبدالله بن كامل، وأحمر بين شميط ، وحميد بن مسلم)

أحمر بن شميط: لقد قيدوك يا أبا إسحاق بتلك اليمين!

المختار: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم بأيمانهم تلك!

عبدالله بن كامل: وكيف ذاك رحمك الله!

المختار: أما حلفي لهم بالله فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير، وأكفر يميني، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم، وأكفر يميني، وأما هدْيُ ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة، وما ثمنُ ألف بدنة فيهولَني؟ وأما عتق مماليكي فوالله لوددت أنه قد استتب لي أمري ، ثم لم أملك مملوكاً أبداً!

أحمر بن شميط: إذن فقد أزمعت الخروج يا أبا إسحاق؟

المختار: هو ذاك يا بن شميط، أما والذي شرع الأديان، وكسر الأوثان ، لأقتلن أزد عمان، وقيساً وعيلان، وتميماً أعوان الشيطان، إلا النجيب ابن ظبيان!

ابن كامل: ليهنأ ابن ظبيان العيش إذن!

أحمر بن شميط: هذا أوان الشد فاشتدي زيم، قد سجع أبو إسحاق!

المختار: (قائماً)

أما ورب المرسلات عرفا              لتَقتلن بعد صف صفا وبعد الف قاسطين ألفا!

ابن كامل: إن القوم مجتمعون الآن ينتظرون ظهورك يا أبا إسحاق.

المختار: لا بأس ، إني سآتيهم الآن ، انتظرني حتى ألبس لأمتي. (ينصرف إلى ركن المجلس فيستخرج درعه من خرج هناك فيلبسها وهو يرتجز)

قد علمت ميالة الذوائب    واضحة اللبات والترائب

أني غداة الروع والتغالب  أشجع من ذي لبدة مواثب

                قطاع أقران مخوف الجانب

هيا اسبقوني إليكم فإني آتيكم الساعة.

(ينصرفون)

يظلم المسرح وتقفل الستارة، يمر وقت ، ثم تفتح الستارة من جديد فنرى.0 جموع أصحاب المختار وقد اجتمعوا في داخل المسجد الأعظم بالكوفة، نسمع أصوات ولغط وهمهمات كثيرة وكأنهم ينتظرون القادم إليهم بلهفة، حيث لا نلبث أن نرى المختار نفسه وقد ارتدى كامل عدته وبزته الحربية يخترق الصفوف إلى المنبر، وأصحابه يحاولون التمسح به أو السلام عليه، يصل إلى المنبر فيرتقيه، يشتد اللغط، فيقوم ابن كامل ،مساعده الأول، بتهدئة الناس قائلاً: يا قوم ها قد جاؤكم أبو إسحاق فاسمعوا له!،  يخف اللغط كثيراً ثم ينبري المختار خطيباً)

المختار: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعداً مفعولاً، وقضاء مقضياً ، وقد خاب من افترى . أيها الناس ، إنه رفعت لنا راية ، ومدت لنا غاية ، فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها ، وفي الغاية : أن اجروا إليها و لاتعدوها، فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي فكم من ناع وناعية لقتلى في الواعية ! وبعداً  لمن طغى وأدبر، وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوها أيها الناس فبايعوا بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفاً مكفوفاً والأرض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها.

(تسمع أصوات: قد بايعناك يا أبا إسحاق)

المختار: تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا والفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم .

(تسمع أصوات مؤيدة: نعم نبايعك على ذلك يا أبا إسحاق)

المختار: فإن المهدي ابن الوصي محمد بن علي بعثني إليكم أميناً ووزيراً ومنتخباً وأميراً وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء