ح  منشورات صالح المطيري 1421هـ / 2000م جميع الحقوق محفوظة

عزيزي أبو خالد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخيراً تمكنت من تركيب نظام عربي في حاسوبي المنزلي الصغير، وها أنا ذا أدشن هذا الافتتاح بهذه الرسالة التي طال انتظارها وأنا أكافح على لوحات مفاتيح الجامعة مع بريد مكتوب ونسيج وغيره. الآن يمكنني أن أحلق بلغتي ألتي أحبها حتى النخاع، وأن أكتب بها رسائل مطولة مثل تلك التي كنت أرسلها بالمدينة، فأنا أحب أن أكتب رسالة مطولة، لان كتابة الرسائل لدي تشكل نوعاً من الممارسة الأدبية كما أوضحت لك في رسالة سابقة، لكن كيف سأبعثها لك وحاسوبي من المستحيل أن يتقبل االاتصال مع الشبكة العنكبوتية، ذلك لأنه من الأجيال القديمة التي لا تحظى ولن تحظى باهتمام السيدة انترنت أو عطفها. ماذا سأفعل إذن. ربما أقوم بنسخ الرسالة على قرص مرن ثم  أخذ القرص المرن معي إلى الجامعة ، وهناك إما أن أرسله لك على شكل ملف مرفق، أو أن أقوم بفتحه عن طريق مفكرة عربية

( Note Pad ) يمكنها العمل تحت أنظمة أجنبية أرسلها لي أحد الزملاء، ومن ثم أحدد النص وألصقه في ياهو أو مكتوب (ملاحظة فشلت هذه الطريقة، ولم يبق لدي إلا خيار واحد : إرسالها كملف مرفق) . بعد الانتهاء من خطة الرسالة أود أن أتطرق للحياة هنا في هذه الولايات المتحدة. المجتمع الأمريكي بصفة عامة يتعامل مع الآخرين بأخلاق عالية لسببين : أولا بسبب القانون ، فالكل هنا خاضع للقانون وكل إساءة إلى شخص يمكن أن تتطور إلى محاكمة تقيم الدنيا ولا تقعدها. ثانياً أن الناس هنا يتمتعون بأخلاق تسويقية، بمعنى أنهم يسوقون لكثير من خدماتهم للناس و للأجانب على وجه الخصوص، وأظنك تعرف أن المنطق التسويقي يقتضي عليك أن تعامل الآخرين بمنتهى الرقة واللطف. بقيت نقطة مهمة وهي ارتفاع مستوى التعليم ، وهذا شيء بديهي، فكلما ارتفع مستوى التعليم في أي مجتمع ارتفعت أخلاقهم وتعاملهم مع الآخرين. لكن مع كل هذه الصفات الحسنة فإني أرى أن الابتعاث إلى هذه البلاد قد ينطوي على خطورة -رجاءً لاحظ كلمة (قد)- ذلك أن المجتمع هنا يمارس ضغوطاً رهيبة على المقيم فيه لكي يندمج في نسيجه الثقافي والقيمي، طبعا لا تقل لي والله المتربي تربية حسنة يمكنه أن يجتاز ذلك بسهولة - لا، أرجوك أبعد هذا الكلام الإنشائي المثالي عن هذه الرسالة! المسألة هنا ليست مسألة تربية ولا أخلاق! المسألة هي امتحان في الثبات على القيم والمباديء التي رضعناها من صدور أمهاتنا وكرسها الدين في نفوسنا. ومن هذه التحديات التي يواجهها الإنسان هنا هو هذا الحضور الطاغي الشديد والمتكشف والمغري للمرأة ، طبعاً لا تقل لي أيضا والله المتزوج يمكنه أن يعبر هذه القنطرة بسلام، لا يا أخي إنها الفتنة بعينها تمارسها النساء عليك هنا ويمكن ببساطة أن يحرفنك عن طريقك المستقيمة حتى لو كان لديك عدد نساء النبي سليمان إذا لم يعصمك الله! طبعاً إني مهما أوتيت من حصانة فإني أسأل الله أن يبعدني عن هذه الفتنة. ومما يشجعني على احتقار هذا الوضع المشين  أن المرأة هنا عبارة عن متاع ممتهن يتعاقب عليه الفحول، يعني كالورقة النقدية التي تتداولها الأيدي وتُبتذل من كثرة الاستخدام،  طبعاً لا تقل لي هذه مبالغة، فقد استقيت هذه المعلومات من أمريكان أعرفهم، بل إن بعضهم يقول أن البنت تبدأ في التنسيق الغرامي مع الرجال وهي في الثانية عشرة، وأظنك تفهم أي تنسيق أعني! وأحسن ما يقدمه لها والديها بعد التحذير من خطورة العلاقة هو حفنة من حبوب منع الحمل .  ونفس الشيء يمكن أن يقدم للولد. وأبرز مكان لتفشي هذه العلاقات الآثمة هو السكن الداخلي بالجامعة المسمى بلغتهم دورم، صحيح أن  هناك أجنحة مخصصة للطلاب واجنحة مخصصة للطالبات ، لكن هذا الفصل لا يمنع من تبادل الزيارات بين الأجنحة ومزاولة أنشطة غرامية آثمة على أية حال. ولذلك تجد السكن الداخلي في الجامعات هو أسوأ مكان يمكن أن يقطنه الطالب المسلم. وقد بلغني عن شاب ملتزم اضطر إلى سكناه مدة من الزمن، فلما رأى هول المكان قال بأن القيامة ستقوم أول ما تقوم في هذا المكان من الآرض.  طبعاً أغلبية الشباب المسلم هنا يسكنون في الإسكان العائلي الخارجي الذي يتمتع بجو هادئ ومريح. وعلى سيرة العلاقات الآثمة، فقد ظهر تقرير من الاستخبارت الأمريكية يفيد أن العرب هم أقل الناس إصابة بمرض الإيدز، وعزت تلك الإدارة هذه النسبة إلى سيطرة الجو المحافظ على هؤلاء الناس، إضافة إلى ارتفاع المستوى الصحي في بعض البلدان العربية وخاصة الخليجية.

ومن الظواهر الملاحظة هنا هو هذا الاهتمام الشديد بالكلاب. ولو علم الإنسان في دول العالم الثالث ما يحظى به الكلب هنا من رعاية وعناية لتمنى أن لو كان كلباً في الولايات المتحدة. طبعاً لاشك أنك لاحظت نفس الشيء في رحلتك إلى انجلترا في الصيف الماضي. لكني أظن أن الاهتمام بالكلاب هنا أشد من انجلترا، لانه توجد هنا على سبيل المثال قناة مخصصة للحيونات اسمها (كوكب الحيوان) يحتل الكلب 60% من عروضها. وإذا دخلت أي سوق مواد غذائية لوجدت ممرات مستقلة تعج بأطعمة الكلاب والقطط ووسائل راحهتا ونظافتها. وعلى سيرة التلفاز وعروضه فيوجد هنا قنوات جيدة ومفيدة للغاية -لاحظ أن كلمة (قنوات) نكرة تفيد التبعيض- لكن قد يتخلل هذه القنوات مواد تافهة ومنحطة، ومنها على سبيل المثال تلك الاعلانات التجارية التي تظهر كل خمس دقائق أو أقل وتفقدك متعه متابع البرنامج المعروض. طبعاً أنا أهتم أكثر بالبرامج الوثائقية مثل تلك التي تعرض في قناة (ديسكفري). ومن ناحية الاحتشام فيقول البعض هنا أن التلفاز الأمريكي أكثر محافظة من بعض المحطات العربية! وأما من ناحية احتشام المجتمع الامريكي نفسه فبناء على ثقافة هذا المجتمع  فإنه يرى أن حشمة المرأة مثلا تنخرم فقط عندما تُبرِز شيئين أحدهما حلمتي ثدييها .وفي ما عدا ذلك تبقى المرأة محتفظة بحشمتها! طبعا هذه النظرية الغير معلنة تطورت عبر عقود من الزمن وأسهمت في صياغتها على النحو الذي أسلفت  وسائل التخريب من تلفزة وإذاعة وصحافة . حيث كان التكشف أقل من الآن بكثير في حقبة الاربعينات والخمسينات. لكن من العدل أن أقرر أن هذا المجتمع على ما فيه من سلبيات من الجانب الديني، إلا أنه يتحلى بمميزات كثيرة يلاحظها كل مقيم هنا، ومنها النظام واحترام الآخرين وسيادة القانون. فالقانون هنا  هو سيد الموقف، وهو الذي يملي على الناس تصرفاتهم وسلوكهم تجاه الآخرين.طبعا يوجد هنا مجتمع إسلامي يصل أعضاؤه إلى االمئتين نفس ما بين رجل وامرأة وطفل. ويقطن الأخوة من السعوديين والعرب بالقرب مني في نفس السكن الجامعي. وبيينا تواصل يومي يساهم المسجد في جزء كبير منه. وبالنسبة للمسجد فيعود الفضل في تأسيسه بعد الله تعالى إلى مجموعة من الطلاب المسلمين وفيهم سعوديين- منهم أحمد خان من مكة-  الذين أشتروا كنيسة تابعة للجامعه وحولوها مسجدأ حوالي عام 1983م . ويواظب الكثير من الأخوة ولله الحمد على أداء الفروض في المسجد مع الجماعة خاصة صلاتي الفجر والعشاء.  والمسجد مهم للغاية، لانه يعينك على شهود الجماعة، ويعطيك شحنة إيمانية لا تتوفر في مكان آخر. وللمعلومية فإنه يشاركنا هنا في المسجد عدد من الأخوة الأمريكان الذي يأتون للصلاة معنا. ومنهم يحى الامريكي. وهو رجل في الأربعين يعمل سائق شاحنة هنا. طبعاً تتوقع ما هو مستوى تعليمه كسائق شاحنة؟ ابتدائي، متوسط، ثانوي؟ لا بل أعلى من ذلك، إذ أنه حاصل على بكالوريوس في علم الإنسان من جامعه بول ستيت، وعمل في سلك الكنيسة سنين كثيرة، وحصل على تزكيات قوية من الإدارة الكنسية وكبار الآساقفة. ولقد جلست معه وناقشته في أمور كثيرة فاكتشفت أنه ضليع في معتقدات وكتب اليهود والنصارى.  لقد أمضى هذا الرجل مدة طويلة وهو يدرس الآديان إلى أن اهتدى أخيراً إلى الإسلام وقرت عينه به. حتى صار داعية إلى الدين أفضل منا نحن العرب. إذ أنه لا يخلو من حمل مطويات تعريفية عن الاسلام في ملابسه أينما ذهب، ولا يدع الفرصة تفوته في توزيعها على الأمريكان، حتى أنه مرة أوقفه رجل المرور لغرض ما وهو في شاحنته، فشاهد رجل المرور طاقية على رأس يحى - وهو الأمريكي الأبيض - فسأله عنها، فأخبره يحي بأنه مسلم، وانهى رجل المرور اجراءاته بحصوله على عدد من المنشورات التعريفية من يحي. ومن آخر أنشطته رحلة الى الحج استغرقت شهرين، زار خلالها بلدانا شرق أوسطية وأوروبية، واحضر معه أشرطة فيديو سجلها بكاميرته وتحوي مشاهد كثيرة من الحج ومكة المكرمة وجدة، إضافة إلى مشاهد أخرى من مصر واليونان وإسبانيا. ولكم سعدنا نحن بمشاهدة هذه المشاهد التي سجلها بكاميرته خاصة تلك المتعلقة بالحج ومكة.  طبعاً هو من هواة الرحلات البطوطية، وربما كان لمهنته كسائق شاحنة دور في تنمية هذا الاهتمام او الهواية.وبالنسبة لانتاجي الثقافي فقد كان للأسف  يتمتع بإجازة غير معلنة خلال السبعة أشهر الماضية، وربما يرجع ذلك الى اني ظللت مدة وأنا لا يوجد لدي برنامج عربي أستطيع أن أنقل خلاله الأفكار والكلمات. يوجد هنا كثير من عشاق الشعر والأدب، لكنهم لا يرقون إلى مستوى تذوق أبي خالد، لقد ألقيت عليهم بعض القصائد كما ذكرت لك سابقاً، لكن بدأ أصحاب البالوت ضمن المجموعة  يشوشون علينا اجتماعنا الاسبوعي الذي كنا تنتطارح فيه شيئاً من الثقافة، وذلك من خلال سيطرتهم واستدراجهم لكثير من أعضاء المجموعة إلى الانضمام في حلقات بالوتية. لكن بدأنا نحن البقية الباقية من أنصار الثقافة نعد العدة ونضع الخطط الكفيلة بسحب بساط السيادة من تحت أصحاب البالوت الذين ليسوا على وئام مع الأنشطة الثقافية ، والتي نحاول نحن تطعيم الجلسة بها. لكن رغم ذلك سأظل ألقي نتاجي على من يريد سماعه فقط. لا على من يرى أني أفرض عليه سماعه. وبالنسبة لجهاز الكمبيوتر فأظنني سأكتفي بهذا الجهاز القديم الذي لدي في طباعة نصوصي، واستخدام حواسيب الجامعه الكثيرة للأغراض العنكبوتية. وعلى سيرة الطباعة سأبدأ إن شاء الله في كتابة مقال لمجلة الصقور مرة أخرى، لقد أحسست أن الكتابة التي تجلب رزمة من الريالات أفضل على أية حال من تلك التي تنشر ولا نحصّل من وراءها فلساً. لكن هذا لا يعني  أني سأتوقف عن الكتابة الإبداعية نظراُ لعدم وجود عائد مادي، بل على العكس يوجد بعض العائد المادي من نشر هذه الإبداعيات، وإن كان لا يرقى إلى ما تقدمه مجلة الصقور على المقال الواحد. وأما بالنسبة لشحنة الملابس والعقال فقد وصلت بسلام، وكنت معجباً للغاية بذلك الثوب المغربي الذي أرفقته، فكأنني كنت أبحث عنه من سنين، وذلك لأنني لدي عادة أساسية في النوم، وهي أنني لا بد أن أغطي رأسي وعيني أثناء النوم، وأجعل أنفي بلا غطاء، ول ايتم هذا باللحاف من دون أن يغطي أنفي، وهذا شيء لا أطيقه، أعني تغطية الانف،  فجاء هذا الثوب المغربي بقلنسوتة العجيبة فوفر لي غطاء للرأس والعينين من دون أن يكتم نفَسي. لكن أحب أن أذكر ملاحظة، وهي أني أود أن أحصل على لون آخر غير الأسود، مع أحترامي الشديد لذوقك الرفيع. وفي النهاية بقي لدي طلب عزيز جدأ، وهو أن ترسل لي أرقام حسابك الخاص لدى البنوك، وذلك لكي أرى أيهم يقبل تحويلاً من أمريكا، طبعاً ستقوس حاجبيك وتقول عيب يارجل! ايش هذا الكلام ! ما بينا حساب! ..  كلام جميل فعلاً ،  يعين في توفير حفنة من الدولارات في بلاد الغربة، لكنه في نفس الوقت يجعلني أتردد وأفكر قبل أن أطلبك أشياء من السعودية. وبالنسبة لآخر الأخبار في هذه البلدة، فقد أرسلت لك رسالة صوتية جديدة من مكتوب على بريدك الذي في ياهو، وفيها مواصفات جهاز الكومباك الذي رأيته في السوق. وأرجو أن تحيطني إذا لم تجدها في بريدك. وفي الختام سلمني على الجميع، وبلغني عن وصول الرسالة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو محمد / 12 صفر 1421هـ  منسي - إنديانا - الولايات المتحدة